منهاج السنة النبوية — ج 5
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج5 ص416
تحقيق: محمد رشاد سالم — جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ماء الأذن، وملوحة ماء البحر. وذلك يدلهم على الحكمة فيما لم يعلموا حكمته، فإن من رأى إنسانا بارعا في النحو أو الطب أو الحساب أو الفقه، وعلم أنه أعلم منه بذلك، إذا أشكل عليه بعض كلامه فلم يفهمه، سلم ذلك إليه.
فرب العالمين الذي بهرت العقول حكمته ورحمته، الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، وهو أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، كيف لا يجب على العبد أن يسلم ما جهله (1) من حكمته إلى ما علمه منها؟ ! .
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، والمقصود هنا التنبيه على المختلفين في الكتاب، الذين يرد كل منهم قول الآخر، وفي كلام كل منهم حق وباطل، وقد ذكرنا مثالين: مثالا في الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، ومثالا في الشرع والقدر.
[الكلام على أن القرآن كلام الله غير مخلوق]
ونذكر مثالا ثالثا في القرآن ; فإن الأئمة والسلف اتفقوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، بل هو الذي تكلم به بقدرته ومشيئته، لم يقل أحد منهم إنه مخلوق، ولا إنه قديم.
وصار المختلفون بعدهم على قولين: قوم (2) يقولون: هو مخلوق خلقه [الله] في غيره (3) ، والله لا يقوم به كلام، ويقولون: الكلام صفة فعل لا صفة ذات، ومرادهم بالفعل ما كان منفصلا عن الفاعل غير قائم به، وهذا لا يعقل أصلا، ولا يعرف متكلم لا يقوم به كلامه.
