منهاج السنة النبوية — ج 6
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج6 ص392
تحقيق: محمد رشاد سالم — جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
وتشبيههم معرفته بمعرفة الله في باب اللطف وأن اللطف به يحصل للعارف دون غيره، قياس فاسد. فإن المعرفة بأن الله موجود حي قادر، يأمر بالطاعة ويثيب عليها، وينهى عن المعصية ويعاقب عليها، من أعظم الأسباب في الرغبة والرهبة منه، فتكون هذه المعرفة داعية إلى الرغبة في ثوابه، بفعل المأمور وترك المحظور، والرهبة من عقابه إذا عصى، لعلم العبد بأنه عالم قادر، وأنه قد جرت سنته بإثابة المطيعين وعقوبة العاصين.
وأما شخص يعرف الناس أنه (1) مفقود من أكثر من أربعمائة سنة، وأنه لم يعاقب أحدا، وأنه لم يثب أحدا بل هو خائف على نفسه إذا ظهر، فضلا عن أن يأمر وينهى، فكيف تكون المعرفة به (2) داعية إلى فعل ما أمر وترك ما حظر (3) ، بل المعرفة بعجزه وخوفه توجب الإقدام على فعل القبائح، لا سيما مع طول الزمان وتوالي الأوقات وقتا بعد وقت، وهو لم يعاقب أحدا ولم يثب أحدا.
بل لو قدر أنه يظهر في [كل] (4) مائة سنة مرة فيعاقب، لم يكن ما يحصل به من اللطف مثل ما يحصل بآحاد ولاة الأمر، بل ولو قيل: إنه يظهر في كل عشر سنين، بل ولو ظهر في السنة مرة، فإنه [لا] تكون (5) منفعته كمنفعة ولاة الأمور الظاهرين للناس في كل وقت، بل هؤلاء - مع
