المغني — ج 4
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج4 ص58
مكتبة القاهرة
والجزة الظاهرة عند البيع للبائع، سواء كان مما يبقى سنة، كالهندبا، والبقول، أو أكثر، كالرطبة، وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال، فإنه ليس لذلك حد ينتهي إليه. ولأن ذلك يطول، ويخرج غير ما كان ظاهرا، والزيادة من الأصول التي هي ملك للمشتري. وكذلك إن كان الزرع مما تكرر ثمرته، كالقثاء، والخيار، والبطيخ، والباذنجان، وشبهه، فهو للمشتري، والثمرة الظاهرة عند البيع للبائع؛ لأن ذلك مما تتكرر الثمرة فيه، فأشبه الشجر.
ولو كان مما تؤخذ زهرته، وتبقى عروقه في الأرض، كالبنفسج، والنرجس، فالأصول للمشتري؛ لأنه جعل في الأرض للبقاء فيها، فهو كالرطبة، وكذلك أوراقه وغصونه؛ لأنه لا يقصد أخذه، فهو كورق الشجر وأغصانه، وأما زهرته، فإن كانت قد تفتحت، فهي للبائع، وإلا فهي للمشتري، على ما ذكرناه فيما مضى. واختار ابن عقيل في هذا كله أن البائع إن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها. دخل فيها، وإن لم يقل: بحقوقها. فهل يدخل؟ على وجهين، كالشجر.
[فصل اشترى أرضا فيها بذر فاستحق المشتري أصله]
(2889) فصل: وإذا اشترى أرضا فيها بذر، فاستحق المشتري أصله، كالرطبة، والنعناع، والبقول التي تجز مرة بعد أخرى، فهو له؛ لأنه ترك في الأرض للتبقية، فهو كأصول الشجر. ولأنه لو كان ظاهرا كان له، فالمستتر أولى، سواء علقت عروقه في الأرض، أو لا. فإن كان بذرا لما يستحقه البائع، فهو له، إلا أن يشترطه المبتاع، فيكون له. وقال الشافعي: البيع باطل؛ لأن البذر مجهول، وهو مقصود.
ولنا، أن البذر يدخل تبعا في البيع، فلم يضر جهله، كما لو اشترى عبدا، فاشترط ماله. ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع، كبيع اللبن في الضرع مع الشاة، والحمل مع الأم، والسقوف في الدار، وأساسات الحيطان، تدخل تبعا في البيع، ولا تضر جهالتها، ولا تجوز مفردة. وإن لم يعلم المشتري بذلك، فله الخيار في فسخ البيع وإمضائه؛ لأنه يفوت عليه منفعة الأرض عاما. فإن رضي البائع بتركه للمشتري، أو قال: أنا أحوله. وأمكنه ذلك في زمن يسير لا يضر بمنافع الأرض فلا خيار للمشتري؛ لأنه أزال العيب بالنقل، أو زاده خيرا بالترك، فلزمه قبوله؛ لأن فيه تصحيحا للعقد، وهذا مذهب الشافعي.
وكذلك لو اشترى نخيلا فيه طلع، فبان أنه مؤبر، فله الخيار؛ لأنه يفوت المشتري ثمرة عامه، ويضر بقاؤها بنخله. فإن تركها له البائع، لم يكن له خيار. فإن قال: أنا أقطعها الآن. لم يسقط خياره بذلك؛ لأن ثمرة العام تفوت، سواء قطعها، أو تركها. وإن اشترى أرضا فيها زرع للبائع، أو شجرا فيه ثمر للبائع، والمشتري جاهل بذلك، يظن أن الزرع والثمر له، فله الخيار أيضا، كما لو جهل وجوده؛ لأنه إنما رضي ببذل ماله عوضا عن الأرض والشجر بما فيهما، فإذا بان خلاف ذلك ينبغي أن يثبت له الخيار، كالمشتري
#
