المغني — ج 5
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج5 ص110
مكتبة القاهرة
بعدم بلوغه، إلا أن يختلفا بعد ثبوت بلوغه، فعليه اليمين أنه حين أقر لم يكن بالغا. ومن زال عقله بسبب مباح أو معذور فيه، فهو كالمجنون، لا يسمع إقراره. بلا خلاف. وإن كان بمعصية، كالسكران، ومن شرب ما يزيل عقله عامدا لغير حاجة، لم يصح إقراره. ويتخرج أن يصح بناء على وقوع طلاقه. وهو منصوص الشافعي لأن أفعاله تجري مجرى الصاحي.
ولنا أنه غير عاقل، فلم يصح إقراره، كالمجنون الذي سبب جنونه فعل محرم، ولأن السكران لا يوثق بصحة ما يقول، ولا تنتفي عنه التهمة فيما يخبر به، فلم يوجد معنى الإقرار الموجب لقبول قوله.
وأما المكره فلا يصح إقراره بما أكره على الإقرار به. وهذا مذهب الشافعي لقول رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.» ولأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح كالبيع. وإن أقر بغير ما أكره عليه، مثل أن يكره على الإقرار لرجل، فأقر لغيره، أو بنوع من المال، فيقر بغيره، أو على الإقرار بطلاق امرأة، فأقر بطلاق أخرى، أو أقر بعتق عبد، صح؛ لأنه أقر بما لم يكره عليه، فصح، كما لو أقر به ابتداء. ولو أكره على أداء مال، فباع شيئا من ماله ليؤدي ذلك، صح بيعه.
نص عليه؛ لأنه لم يكره على البيع. ومن أقر بحق، ثم ادعى أنه كان مكرها، لم يقبل قوله إلا ببينة، سواء أقر عند السلطان أو عند غيره؛ لأن الأصل عدم الإكراه، إلا أن يكون هناك دلالة على الإكراه، كالقيد والحبس والتوكيل به، فيكون القول قوله مع يمينه؛ لأن هذه الحال تدل على الإكراه.
ولو ادعى أنه كان زائل العقل حال إقراره، لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل السلامة حتى يعلم غيرها. ولو شهد الشهود بإقراره، لم تفتقر صحة الشهادة إلى أن يقولوا طوعا في صحة عقله؛ لأن الظاهر سلامة الحال وصحة الشهادة. وقد ذكرنا حكم إقرار السفيه والمفلس والمريض في أبوابه.
وأما العبد فيصح إقراره بالحد والقصاص فيما دون النفس؛ لأن الحق له دون مولاه. ولا يصح إقرار المولى عليه؛ لأن المولى لا يملك من العبد إلا المال.
ويحتمل أن يصح إقرار المولى عليه بما يوجب القصاص، ويجب المال دون القصاص؛ لأن المال يتعلق برقبته، وهي مال السيد، فصح إقراره به، كجناية الخطأ. وأما إقراره بما يوجب القصاص في النفس، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يقبل، ويتبع به بعد العتق. وبه قال زفر والمزني وداود وابن جرير الطبري لأنه يسقط حق سيده بإقراره، فأشبه الإقرار بقتل الخطأ، ولأنه متهم في أنه يقر لرجل ليعفو عنه، ويستحق أخذه، فيتخلص بذلك من سيده.
واختار أبو الخطاب أنه يصح إقراره به. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأنه أحد نوعي القصاص، فصح إقراره به، كما دون النفس. وبهذا الأصل ينتقض دليل
#
