المغني — ج 8
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج8 ص40
مكتبة القاهرة
إذا ثبت هذا، فإنه إذا أيسر، فأحب أن ينتقل إلى الإعتاق، جاز له، في ظاهر كلام الخرقي؛ فإنه قال: ومن دخل في الصوم، ثم قدر على الهدي، لم يكن عليه الخروج إلا أن يشاء. وهذا يدل على أنه إذا شاء فله الانتقال إليه، ويجزئه، إلا أن يكون الحانث عبدا، فليس له إلا الصوم وإن عتق. وهو قول الشافعي، على القول الذي توافقنا فيه؛ وذلك لأن العتق هو الأصل، فوجب أن يجزئه كسائر الأصول. فأما إن استمر به العجز حتى شرع في الصيام، لم يلزمه الانتقال إلى العتق. بغير خلاف في المذهب.
وهو مذهب الشعبي، وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وهو أحد قولي الحسن. وذهب ابن سيرين، وعطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، إلى أنه يلزمه العتق؛ لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل، فلزمه العود إليه، كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة، أو في أثنائها. ولنا أنه لم يقدر على العتق قبل تلبسه بالصيام، فلم يسقط عنه، كما لو استمر العجز إلى بعد الفراغ، ولا يشبه الوضوء، فإنه لو وجد الماء بعد التيمم بطل، وهاهنا بخلافه، ولأنه وجد المبدل بعد الشروع في صوم البدل. فلم يلزمه الانتقال إليه، كالمتمتع يجد الهدي بعد الشروع في صيام السبعة.
(6223) فصل: إذا قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، فوقته في الظهار زمن العود، لا وقت المظاهرة؛ لأن الكفارة لا تجب حتى يعود، وقته في اليمين زمن الحنث، لا وقت اليمين، وفي القتل زمن الزهوق، لا زمن الجرح، وتقديم الكفارة قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها، لوجود سببها، كتعجيل الزكاة قبل الحول وبعد وجوب النصاب.
[فصل كان المظاهر ذميا]
(6224) فصل: وإذا كان المظاهر ذميا، فتكفيره بالعتق، أو الإطعام؛ لأنه يصح منه في غير الكفارة، فصح منه فيها، ولا يجوز بالصيام؛ لأنه عبادة محضة، والكافر ليس من أهلها، ولأنه لا يصح منه في غير الكفارة، فلا يصح منه فيها، ولا يجزئه في العتق إلا عتق رقبة مؤمنة، فإن كانت في ملكه، أو ورثها، أجزأت عنه، وإن لم يكن كذلك، فلا سبيل له إلى شراء رقبة مؤمنة؛ لأن الكافر لا يصح منه شراء المسلم، ويتعين تكفيره بالإطعام، إلا أن يقول لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي، وعلي ثمنه. فيصح، في إحدى الروايتين. وإن أسلم الذمي قبل التكفير بالإطعام، فحكمه حكم العبد، يعتق قبل التكفير بالصيام، على ما مضى؛ لأنه في معناه.
وإن ظاهر وهو مسلم، ثم ارتد، فصام في ردته عن كفارته، لم يصح. وإن كفر بعتق أو إطعام، فقد أطلق أحمد القول أنه لا يجزئه. وقال القاضي: المذهب أن ذلك موقوف.
#
