المغني — ج 9
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج9 ص158
مكتبة القاهرة
[كتاب الأشربة]
[مسألة من شرب مسكرا قل أو كثر جلد ثمانين جلدة إذا شربها وهو مختار لشربها]
[الفصل الأول كل مسكر حرام]
الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] . إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] وأما السنة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» . رواه أبو داود، والإمام أحمد وروى عبد الله بن عمر، أن النبي قال: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه.» رواه أبو داود وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على تحريمه، وإنما حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب، وأبي جندل بن سهيل، أنهم قالوا: هي حلال؛ لقول الله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] الآية. فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية، وتحريم الخمر، وأقاموا عليهم الحد؛ لشربهم إياها، فرجعوا إلى ذلك، فانعقد الإجماع، فمن استحلها الآن فقد كذب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه، فيكفر بذلك، ويستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
روى الجوزجاني، بإسناده عن ابن عباس، أن قدامة بن مظعون شرب الخمر، فقال له عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إن الله عز وجل يقول: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] . وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد. فقال عمر للقوم: أجيبوا الرجل. فسكتوا عنه، فقال لابن عباس: أجبه. فقال: إنما أنزلها الله تعالى عذرا للماضين، لمن شربها قبل أن تحرم وأنزل: {إنما الخمر والميسر والأنصاب} [المائدة: 90] . حجة على الناس. ثم سأل عمر عن الحد فيها فقال علي بن أبي طالب: إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى فاجلدوه ثمانين، فجلده عمر ثمانين جلدة. وروى الواقدي أن عمر قال له: أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك.
وروى الخلال بإسناده عن محارب بن دثار، أن أناسا شربوا بالشام الخمر، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم، بقول الله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] الآية. فكتب فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارا، فلا تنتظر بهم إلى الليل،
#
