المغني — ج 9
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج9 ص69
مكتبة القاهرة
لو رجعا بعد اعترافهما. أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما، لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة. رواه أبو داود. ولأن رجوعه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات؛ ولأن الإقرار إحدى بينتي الحد، فيسقط بالرجوع عنه، كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائر الحقوق، فإنها لا تدرأ بالشبهات. وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع. إذا ثبت هذا، فإنه إذا هرب لم يتبع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هلا تركتموه» . وإن لم يترك وقتل، لم يضمن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لم يضمن ماعزا من قتله؛ ولأن هربه ليس بصريح في رجوعه.
وإن قال: ردوني إلى الحاكم. وجب رده، ولم يجز إتمام الحد، فإن أتم، فلا ضمان على من أتمه؛ لما ذكرنا في هربه.
وإن رجع عن إقراره، وقال: كذبت في إقراري. أو: رجعت عنه. أو: لم أفعل ما أقررت به. وجب تركه، فإن قتله قاتل بعد ذلك، وجب ضمانه؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه، فصار كمن لم يقر، ولا قصاص على قاتله؛ لأن أهل العلم اختلفوا في صحة رجوعه، فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص؛ ولأن صحة الإقرار مما يخفى، فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص.
[مسألة شروط شهود الزنا]
(7184) مسألة: قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنا) ذكر الخرقي في شهود الزنا سبعة شروط؛ أحدها: أن يكونوا أربعة. وهذا إجماع، لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لقول الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] . وقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] .
وقال تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] «وقال سعد بن عبادة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم.» رواه مالك، في " الموطإ " وأبو داود في " سننه " الشرط الثاني: أن يكونوا رجالا كلهم، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال. ولا نعلم فيه خلافا، إلا شيئا يروى عن عطاء، وحماد، أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان. وهو شذوذ لا يعول عليه؛ لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفى فيه بأربعة، ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وإن أقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص؛ ولأن في شهادتهن شبهة؛ لتطرق الضلال إليهن، قال الله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] . والحدود تدرأ بالشبهات.
#
