المغني — ج 9
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج9 ص81
مكتبة القاهرة
وروينا عن الأحنف أنه كان جالسا عند معاوية، فأتي بسارق، فقال له معاوية: أسرقت؟ فقال له بعض الشرطة: اصدق الأمير. فقال الأحنف: الصدق في كل المواطن معجزة. فعرض له بترك الإقرار وروي عن بعض السلف أنه قال: لا يقطع ظريف. يعني به أنه إذا قامت عليه بينة، ادعى شبهة تدفع عنه القطع. فلا يقطع.
ويكره لمن علم، أن يحثه على الإقرار؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لهزال، وقد كان قال لماعز: بادر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ينزل فيك قرآن: ألا سترته بثوبك كان خيرا لك» رواه سعيد. وروى بإسناده أيضا، عن سعيد بن المسيب، قال: «جاء ماعز بن مالك إلى عمر بن الخطاب، فقال له: إنه أصاب فاحشة. فقال له: أخبرت بهذا أحدا قبلي. قال: لا. قال: فاستتر بستر الله، وتب إلى الله، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، والله يغير ولا يعير، فتب إلى الله، ولا تخبر به أحدا. فانطلق إلى أبي بكر، فقال له مثل ما قال عمر، فلم تقره نفسه، حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك.»
[مسألة زنى مرارا ولم يحد]
(7206) مسألة: قال: (ومن زنى مرارا ولم يحد، فحد واحد) وجملته أن ما يوجب الحد من الزنا، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر، إذا تكرر قبل إقامة الحد، أجزأ حد واحد. بغير خلاف علمناه. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، منهم عطاء، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف. وهو مذهب الشافعي. وإن أقيم عليه الحد، ثم حدثت منه جناية أخرى، ففيها حدها. لا نعلم فيه خلافا. وحكاه ابن المنذر عمن يحفظ عنه.
وقد «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة تزني قبل أن تحصن فقال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها.» ولأن تداخل الحدود، إنما يكون مع اجتماعها، وهذا الحد الثاني وجب بعد سقوط الأول باستيفائه.
وإن كانت الحدود من أجناس، مثل الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، أقيمت كلها، إلا أن يكون فيها قتل، فإن كان فيها قتل، اكتفي به؛ لأنه لا حاجة معه إلى الزجر بغيره. وقد قال ابن مسعود: ما كانت حدود فيها قتل، إلا أحاط القتل بذلك كله. وإن لم يكن فيها قتل، استوفيت كلها، وبدئ بالأخف فالأخف، فيبدأ بالجلد، ثم بالقطع، ويقدم الأخف في الجلد على الأثقل، فيبدأ في الجلد بحد الشرب، ثم بحد القذف، إن قلنا: إنه حق لله تعالى، ثم بحد الزنا وإن قلنا: إن حد القذف حق لآدمي قدمناه، ثم بحد الشرب، ثم بحد الزنا.
[مسألة تحاكم إلينا أهل الذمة]
(7207) مسألة: قال: (وإذا تحاكم إلينا أهل الذمة، حكمنا عليهم بحكم الله تعالى علينا) وجملة ذلك أنه إذا تحاكم إلينا أهل الذمة، أو استعدى بعضهم على بعض، فالحاكم مخير بين إحضارهم
#
