المغني — ج 10
ابن قدامة المقدسي • الفقه • ج10 ص140
مكتبة القاهرة
أحدهما، من المشهود عليه، مثل العقود؛ كالبيع، والإجارة، وغيرهما من الأقوال، فيحتاج إلى أن يسمع كلام المتعاقدين، ولا تعتبر رؤية المتعاقدين، إذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما. وبهذا قال ابن عباس، والزهري، وربيعة، والليث، وشريح، وعطاء، وابن أبي ليلى، ومالك. وذهب أبو حنيفة، والشافعي، إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه؛ لأن الأصوات تشتبه، فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية، كالخط. ولنا، أنه عرف المشهود عليه يقينا، فجازت شهادته عليه، كما لو رآه.
وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور، وإنما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا، وقد يحصل العلم بالسماع يقينا، وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرواية من غير رؤية، ولهذا قبلت رواية الأعمى، ورواية من روى عن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير محارمهن. وأما النوع الثاني، فسنذكره إن شاء الله تعالى في المسألة التي تلي هذا. (8351) فصل: إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه، جاز أن يشهد عليه، حاضرا كان أو غائبا، وإن لم يعرف ذلك، لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته، وجاز أن يشهد عليه حاضرا بمعرفة عينه. نص عليه أحمد.
قال مهنا: سألت أحمد عن رجل شهد لرجل بحق له على رجل، وهو لا يعرف اسم هذا، ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له، فقال: إذا قال: أشهد أن لهذا على هذا. وهما شاهدان جميعا، فلا بأس، وإن كان غائبا، فلا يشهد حتى يعرف اسمه. (8352) فصل: والمرأة كالرجل، في أنه إذا عرفها وعرف اسمها ونسبها، جاز أن يشهد عليها مع غيبتها. وإن لم يعرفها، لم يشهد عليها مع غيبتها. قال أحمد، في رواية الجماعة: لا تشهد إلا لمن تعرف، وعلى من تعرف، ولا يشهد إلا على امرأة قد عرفها، وإن كانت ممن قد عرف اسمها، ودعيت، وذهبت، وجاءت، فليشهد، وإلا فلا يشهد، فأما إن لم يعرفها، فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها.
ويجوز أن يشهد على عينها إذا عرف عينها، ونظر إلى وجهها. قال أحمد ولا يشهد على امرأة، حتى ينظر إلى وجهها. وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها. فأما من تيقن معرفتها، وتعرف بصوتها يقينا، فيجوز أن يشهد عليها إذا تيقن صوتها، على ما قدمناه في المسألة قبلها. فإن لم يعرف المشهود عليه، فعرفه عنده من يعرفه، فقد روي عن أحمد، أنه قال: لا يشهد على شهادة غيره إلا بمعرفته لها. وقال: لا يجوز للرجل أن يقول للرجل: أنا أشهد أن هذه فلانة. ويشهد على
#
