المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص142
دار الفكر - بيروت
جائزا بيعه قبل ذلك حلال، ولا معنى لتبين أمره، وهو بمنزلة ما وقع فيه مخاط أو بصاق إلا أن البائل في الماء الراكد الذي لا يجري حرام عليه الوضوء بذلك الماء والاغتسال به لفرض أو لغيره، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره. وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره، إن لم يغير البول شيئا من أوصافه. وحلال الوضوء به والغسل به لغيره. فلو أحدث في الماء أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر، يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء، فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلا له ولا لغيره. وحاشا ما ولغ فيه الكلب فإنه يهرق ولا بد كما قدمنا في بابه، وحاشا السمن يقع فيه الفأر ميتا أو يموت فيه أو يخرج منه حيا ذكرا كان الفأر أو أنثى صغيرا أو كبيرا - فإنه إن كان ذائبا حين موت الفأر فيه، أو حين وقوعه فيه ميتا أو خرج منه حيا أهرق كله - ولو أنه ألف ألف قنطار أو أقل أو أكثر - ولم يحل الانتفاع به جمد بعد ذلك أو لم يجمد وإن كان حين موت الفأر فيه أو وقوعه فيه ميتا جامدا واتصل جموده، فإن الفأر يؤخذ منه وما حوله ويرمى، والباقي حلال أكله وبيعه والادهان به قل أو كثر، وحاشا الماء فلا يحل بيعه لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك على ما نذكر في البيوع إن شاء الله تعالى.
برهان ذلك: ما ذكرنا قبل من أن كل ما أحل الله تعالى وحكم فيه بأنه طاهر فهو كذلك أبدا ما لم يأت نص آخر بتحريمه أو نجاسته. وكل ما حرم الله تعالى أو نجسه فهو كذلك أبدا ما لم يأت نص آخر بإباحته أو تطهيره، وما عدا هذا فهو تعد لحدود الله تعالى، وقال تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] وقال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116] وقال تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] وصح بهذا يقينا أن الطاهر لا ينجس بملاقاة النجس، وأن النجس لا يطهر بملاقاة الطاهر. وأن الحلال لا يحرم بملاقاة الحرام والحرام لا يحل بملاقاة الحلال بل الحلال حلال كما كان والحرام حرام كما كان، والطاهر طاهر كما كان والنجس نجس كما كان، إلا أن يرد نص بإحالة حكم من ذلك فسمعا وطاعة. وإلا فلا.
ولو تنجس الماء بما يلاقيه من النجاسات ما طهر شيء أبدا، لأنه كان إذا صب على النجاسة لغسلها ينجس على قولهم ولا بد، وإذا تنجس وجب تطهيره، وهكذا
#