المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص149
دار الفكر - بيروت
عقرب أو خنفساء أو جراد أو نمل أو صرار أو سمك فطفا أو كل ما لا دم له، فإن الماء طاهر جائز الوضوء به والغسل، والسمك الطافي عندهم لا يحل أكله.
وكذلك إن مات كل ذلك في مائع غير الماء فهو طاهر حلال أكله، قالوا: فإن ماتت في الماء أو في مائع غيره حية فقد تنجس ذلك الماء وذلك المائع، لأن لها دما، فإن ذبح كلب أو حمار أو سبع ثم رمي كل ذلك في راكد لم يتنجس ذلك الماء، وإن ذلك اللحم حرام لا يحل أكله، وهكذا كل شيء إلا الخنزير وابن آدم، فإنهما وإن ذبحا ينجسان الماء.
قال علي: فمن يقول هذه الأقوال - التي كثير مما يأتي به المبرسم أشبه منها - ألا يستحي من أن ينكر على من اتبع أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموجبات العقول في فهم ما أمر الله تعالى به على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولم يتعد حدود ما أمر الله تعالى به ولكن ما رأينا سنة مضاعة، إلا ومعها بدعة مذاعة. وهذه أقوال لو تتبع ما فيها من التخليط لقام في بيان ذلك سفر ضخم، إذ كل فصل منها مصيبة في التحكم والفساد والتناقض، وإنها أقوال لم يقلها قط أحد قبلهم، ولا لها حظ من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من قياس يعقل، ولا من رأي سديد، ولا من باطل مطرد، ولكن من باطل متخاذل في غاية السخافة.
والعجب أنهم موهوا برواية عن ابن عباس وابن الزبير: أنهما نزحا زمزم من زنجي مات فيها، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعن إبراهيم النخعي وعطاء والشعبي والحسن وحماد بن أبي سليمان وسلمة بن كهيل.
قال علي بن أحمد: وكل ما روي عن هؤلاء الصحابة وهؤلاء التابعين - رضي الله عنهم - فمخالف لأقوال أبي حنيفة وأصحابه.
أما علي فإننا روينا عنه أنه قال في فأرة وقعت في بئر فماتت: إنه ينزح ماؤها، وأنه قال في فأرة وقعت في بئر فقطعت: يخرج منها سبع دلاء، فإن كانت الفأرة كهيئتها لم تتقطع ينزح منها دلو أو دلوان، فإن كانت منتنة ينزح من البئر ما يذهب الريح، وهاتان الروايتان ليست واحدة منهما قول أبي حنيفة أصلا.
وأما الرواية عن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهما -، فلو صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب بذلك فرض نزح البئر مما يقع فيها من النجاسات، فكيف عمن دونه - عليه السلام -، لأنه ليس فيه أنهما أوجبا نزحها ولا أمرا به، وإنما هو فعل منهما قد يفعلانه عن طيب النفس، لا على أن ذلك واجب، فبطل تعلقهم بفعل ابن عباس
#