المحلى بالآثار — ج 1
الإمام ابن حزم • الفقه • ج1 ص23
دار الفكر - بيروت
بقاء الجسم متحركا أو ساكنا ومدة وجود العرض في الجسم، وإذ الزمان مدة كما ذكرنا فهو عدد معدود، ويزيد بمروره ودوامه، والزيادة لا تكون ألبتة إلا في ذي مبدأ ونهاية من أوله إلى ما زاد فيه. والعدد أيضا ذو مبدأ ولا بد، والزمان مركب بلا شك من أجزائه، وكل جزء من أجزاء الزمان فهو بيقين ذو نهاية من أوله ومنتهاه والكل ليس هو شيئا غير أجزائه، وأجزاؤه كلها ذات مبدأ، فهو كله ذو مبدأ ضرورة، فلما كان الزمان لا بد له من مبدأ ضرورة، وكان العالم كله لا ينفك عن زمان والزمان ذو مبدأ، فما لم يتقدم ذا المبدأ فهو ذو مبدأ ولا بد، فالعالم كله جوهره وعرضه ذو مبدأ وإذ هو ذو مبدأ فهو محدث، والمحدث يقتضي محدثا ضرورة إذ لا يتوهم أصلا ولا يمكن محدث إلا وله محدث، فالعالم كله مخلوق وله خالق لم يزل، وهو ملك كل ما خلق، فهو إله كل ما خلق ومخترعه لا إله إلا هو.
[مسألة في بيان أن الله تعالى واحد لم يزل ولا يزال]
3 -
مسألة: قال أبو محمد: هو الله لا إله إلا هو، وأنه تعالى واحد لم يزل ولا يزال. برهان ذلك: أنه لما صح ضرورة أن العالم كله مخلوق وأن له خالقا وجب أن لو كان الخالق أكثر من واحد أن يكون قد حصرهما العدد، وكل معدود فذو نهاية كما ذكرنا، وكل ذي نهاية فمحدث. وأيضا فكل اثنين فهما غيران، وكل غيرين ففيهما أو في أحدهما معنى ما صار به غير الآخر، فعلى هذا كان يكون أحدهما ولا بد مركبا من ذاته ومما غاير به الآخر، وإذا كان مركبا فهو مخلوق مدبر فبطل كل ذلك وعاد الأمر إلى وجوب أنه واحد ولا بد، وأنه بخلاف خلقه من جميع الوجوه، والخلق كثير محدث، فصح أنه تعالى بخلاف ذلك، وأنه واحد لم يزل، إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم - تعالى الله عن ذلك - قال تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] وقال تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] .
[مسألة في بيان أن الله خلق كل شيء لغير علة وبرهان ذلك]
4 -
مسألة: وأنه خلق كل شيء لغير علة أوجبت عليه أن يخلق. برهان ذلك أنه لو فعل شيئا مما فعل لعلة لكانت تلك العلة إما لم تزل معه وإما مخلوقة محدثة ولا سبيل إلى قسم ثالث، فلو كانت لم تزل معه لوجب من ذلك شيئان ممتنعان: أحدهما أن معه تعالى غيره لم يزل، فكان يبطل التوحيد الذي قد أبنا برهانه آنفا؛ والثاني أنه كان يجب إذ كانت علة الخلق لم تزل أن يكون الخلق لم يزل، لأن العلة لا تفارق المعلول، ولو فارقته لم تكن علة له، وقد أوضحنا آنفا برهان وجوب حدوث العالم كله. وأيضا فلو كانت ههنا علة موجبة عليه تعالى أن يفعل ما فعل لكان مضطرا
#