المحلى بالآثار — ج 5
الإمام ابن حزم • الفقه • ج5 ص109
دار الفكر - بيروت
ولا حرج، ولا عسر، ولا تكليف ما ليس في الوسع أكثر من إيجاب البقاء على حال الإحرام، ومنع الثياب، والطيب، والنساء، لمن قد منعه الله تعالى من الحج والعمرة؛ فلو لم يكن إلا هذه الآيات لكفت في وجوب إحلال من عاقه عائق عن إتمام الحج والعمرة، فكيف والسنة قد جاءت بذلك نصا؟ وشغب بعضهم بالخبر الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق» .
قال أبو محمد: هذا من أعجب شيء لأنهم احتجوا بما هو أعظم حجة عليهم، والاشتراط في الحج هو في كتاب الله تعالى منصوص مما ذكرنا من قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] .
{وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] .
و {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] .
وبقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] .
وقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] .
وإنما الشروط التي ليست في كتاب الله تعالى فهي الشروط التي أباحوا: من أن كل امرأة يتزوجها على فلانة امرأته فهي طالق، وكل أمة اشتراها عليها فهي حرة.
وأن يكون بعض الصداق لا يلزم إلا إلى كذا وكذا عاما والله تعالى يقول: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] .
وكبيع السنبل وعلى البائع درسه.
وكنزول أهل الحرب وبأيديهم الأسرى من المسلمين بشرط أن لا يمنعوا من الوطء لهن ولا من ردهم إلى بلاد الكفر - وسائر الشروط الفاسدة التي أباحوا؛ واحتجوا بأن هذا الخبر رواه عروة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس - وروي عنهم خلافه.
قال أبو محمد: فقلنا: سمعناكم تقبلون هذا في الصاحب إذا روى الخبر وخالفه فأنكرناه حتى أتيتم بالآبدة إذ جعلتم ترك التابع لما روى حجة في ترك السنن؛ وهذا إن أدرجتموه بلغ إلينا وإلى من بعدنا فصار كل من بلغه حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتركه كائنا من
#