المحلى بالآثار — ج 5
الإمام ابن حزم • الفقه • ج5 ص326
دار الفكر - بيروت
ولا شك في أن النبي - عليه السلام - لم يدع للمدينة بأن تهوي أفئدة الناس إليها أكثر من هويها إلى مكة؛ لأن الحج إلى مكة لا إلى المدينة.
فصح أن دعاءه - عليه السلام - للمدينة بمثل ما دعا به إبراهيم لمكة ومثله معه إنما هو في الرزق من الثمرات وليس هذا من باب الفضل في شيء.
ومنها قوله - عليه السلام -: «المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها، وإنما تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» ولا حجة فيه في فضلها على مكة؛ لأن هذا الخبر إنما هو في وقت دون وقت، وفي قوم دون قوم، وفي خاص لا في عام.
برهان ذلك أنه - عليه السلام - لا يقول إلا الحق، ومن أجاز على النبي - عليه السلام - الكذب فهو كافر؛ وقال الله - تعالى -: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101] .
وقال - تعالى - {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] .
فصح أن المنافقين أخبث الخلق بلا خلاف من أحد من المسلمين وكانوا بالمدينة، وكذلك قد خرج: علي، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ، وابن مسعود، عن المدينة، وهم من أطيب الخلق - رضي الله عنهم - بلا خلاف من مسلم حاشا الخوارج في بغضهم.
فصح يقينا لا يمتري فيه إلا مستخف بالنبي - عليه السلام - أنه - عليه السلام - لم يعن بالمدينة تنفي الخبث إلا في خاص من الناس، وفي خاص من الزمان لا عام.
وقد جاء كلامنا هذا نصا كما روينا من طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز يعني الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث «ألا إن المدينة كالكير يخرج الخبث لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» .
ومن طريق أحمد بن شعيب نا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه - نا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك " أن
#