شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المحلى بالآثار — ج 6

الإمام ابن حزم • الفقه • ج6 ص260

دار الفكر - بيروت

وبحديثي أبي مسعود «كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يأمرنا بالصدقة؛ فينطلق أحدنا فيتحامل فيجيء بالمد، وصدقة أبي عقيل بصاع تمر» فهذا كله صحيح وحجة لنا لا لهم.

وأما قول الله تعالى {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] فليس فيه أنهم لم يبقوا لأنفسهم معاشا، إنما فيه أنهم كانوا مقلين، ويؤثرون من بعض قوتهم.

وأما قوله تعالى: {والذين لا يجدون إلا جهدهم} [التوبة: 79] فمثل هذا أيضا.

وأما قولهم " جهد المقل " ففي حديث أبي هريرة هذه اللفظة الموصولة بقوله - عليه السلام -: «وابدأ بمن تعول» فبين هذا القول أنه جهده بعد كفاف من تعول.

وكذلك حديثا أبي مسعود أيضا، وإنما كان لرجل درهمان فتصدق بأجودهما، فكذلك أيضا، وقد يكون له ضيعة أو له غلة تقوم به فتصدق بأحد درهمين كانا له ولم يقل - عليه السلام -: إنه لم يكن له غيرهما؟ فإن ذكروا صدقة أبي بكر بما يملكه؟ قلنا: هذا لا يصح؛ لأنه من طريق هشام بن سعد، وهو ضعيف عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت «عمر يقول: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالصدقة، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما قال: فجئت بنصف مالي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله» .

قال أبو محمد: ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة؛ لأنه بلا شك كانت له دار بالمدينة معروفة ودار بمكة - وأيضا: فإن مثل أبي بكر لم يكن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ليضيعه فكان في غنى.

فصح بما ذكرنا أن من نذر أن يتصدق بجميع ماله مجملا، أو منوعا على سبيل القربة إلى الله تعالى، لم يلزمه أن يتصدق منه إلا بما أبقى لنفسه، ولأهله غنى، كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كعب بن مالك وغيره.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية