المحلى بالآثار — ج 6
الإمام ابن حزم • الفقه • ج6 ص57
دار الفكر - بيروت
{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون - ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون - وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 151 - 153] .
فهذه الثلاث الآيات هي التي أنزلت منها في المدينة وسائرها بمكة، وسورة المائدة أنزلت بالمدينة لا خلاف في ذلك، (فإن ذكروا) ما روي عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن الدم يكون في أعلى القدر؟ فلم تر به بأسا وقرأت {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] حتى بلغت (مسفوحا) فإن هذا قد عارضه ما رويناه عنها من طريق ابن وهب عن معاوية بن صالح عن جري بن كليب عن جبير بن نفير قال: قالت لي عائشة أم المؤمنين: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم قالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها حراما فحرموه.
قال أبو محمد: وأيضا فإن الدم الذي في أعلى القدر إن كان أحمر ظاهرا فهو بلا شك مسفوح ولا خلاف في تحريمه وإن كان إنما هو صفرة فليس دما لأن الدم أحمر أو أسود لا أصفر فإن بطلت صفاته التي منها يقوم حده فقط سقط عنه اسم الدم وإذ لم يكن دما فهو حلال، وكذلك ما في العروق وخلال اللحم فإنه ليس ظاهرا وإذا لم يكن ظاهرا فليس هنالك دم يحرم وإنما نسأل خصومنا عن دم أحمر ظاهر إلا أنه جامد ليس جاريا أيحل أكله أم لا؟ فهذا مكان الاختلاف بيننا وبينهم، وبالله تعالى التوفيق.
وأما المسك فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يتطيب به في حجة الوداع وبعدها وقبلها وأقره الله تعالى على ذلك وأباحه له ولنا وقد علم الله تعالى أنه في أصله دم قرحة متولدة في حيوان {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] .
وأما الخنزير فإن الله تعالى قال: {أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا} [الأنعام: 145] والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه رجس فهو كله رجس وبعض الرجس رجس، والرجس حرام واجب اجتنابه
#