المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص104
دار الفكر - بيروت
كلام جابر، فهو أعلم بذلك، ولم يرجع ماعز قط عن إقراره، وإنما قال: ردوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير قاتلي - هكذا روينا كل ما ذكرنا من طريق أبي داود نا عبيد الله بن عمر بن ميسرة نا يزيد بن زريع عن محمد بن إسحاق: أن عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: أن جابر بن عبد الله قال له: كل ما ذكرنا على نصه - فبطل تمويههم بحديث ماعز.
وأما " ادرءوا الحدود بالشبهات " فما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قط من طريق فيها خير، ولا نعلمه أيضا جاء عنه - عليه السلام - أيضا، لا مسندا، ولا مرسلا وإنما هو قول روي عن ابن مسعود، وعمر، فقط - ولو صح لكانوا أول مخالف له؛ لأن الحنفيين، والمالكيين لا نعلم أحدا أشد إقامة للحدود بالشبهات منهم.
فالمالكيون يحدون في الزنى بالرجم والجلد بالحبل فقط - وهي منكرة - وقد تستكره وتوطأ بنكاح صحيح لم يشتهر، أو وهي في غير عقلها، ويقتلون بدعوى المريض: أن فلانا قتله، وفلان منكر ولا بينة عليه.
ويحدون في الخمر بالرائحة، وقد تكون رائحة تفاح، أو كمثرى شتوي.
ويقطعون في السرقة من يقول: صاحب المنزل بعثني في هذا الشيء - وصاحب المنزل مقر له بذلك.
ويحدون في القذف بالتعريض - وهذا كله هو إقامة - الحدود بالشبهات.
وأما الحنفيون فإنهم يقطعون من دخل مع آخر في منزل إنسان للسرقة فلم يتول أخذ شيء ولا إخراجه، وإنما سرق الذي دخل فيه فقط، فيقطعونهما جميعا - في كثير لهم من مثل هذا قد تقصيناه في غير هذا المكان.
فمن أعجب شأنا ممن يحتج بقول قائل دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم هو أول مخالف لما احتج به من ذلك، وأما تسويتنا بين الحر، والعبد، والذكر، والأنثى ذات الأب البكر، وغير البكر، واليتيمة، وذات الزوج فلأن الدين واحد على الجميع، والحكم واحد على الجميع، إلا أن يأتي بالفرق بين شيء من ذلك: قرآن أو سنة - ولا قرآن، ولا سنة، ولا قياس، ولا إجماع على الفرق بين شيء مما ذكرنا وبلا خلاف من أحد من أهل
#