شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المحلى بالآثار — ج 7

الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص131

دار الفكر - بيروت

فإن قالوا: إن الأموال حرام على غير أهلها، وواجب حفظها، فلا نأخذ بخلاف ذلك بخبر واحد؟ قلنا لهم: قد أخذتم بذلك الخبر بعينه فيما أنكرتموه نفسه فأمرتم بإتلافها بالصدقة بها بعد تعريف سنة، فمرة صار عندكم الخبر حجة، ومرة صار عندكم باطلا، وهو ذلك الخبر بعينه فما هذا الضلال؟ وقد روينا لهم عن أم المؤمنين، وابن عمر: إباحة شرب لبن الضالة، وهم لا يقولون بذلك. وأما الشافعي فنقض أصله ولم ير أخذ الشاة، وأقحم في حكم الخبر ما ليس فيه، فألحق بالإبل ما لم يذكر في النص، وجعل ورود الماء، ورعي الشجر علة قاس عليها، ولا دليل له على صحة ذلك، وإن الشاة لترد الماء، وترعى ما أدركت من الشجر، كما تفعل الإبل، ويمتنع منها ما لم تدركه، كما يمتنع على الإبل ما لا تدركه، وإن الذئب ليأكل البعير كما يأكل الشاة، ولا منعة عند البعير منه، وإنما يمتنع منه البقر فقط - هذا أمر معلوم بالمشاهدة.

وقالوا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «هي لك أو لأخيك أو للذئب» ليس تمليكا للذئب، فكذلك ليس تمليكا للواجد؟ فقلنا: هذا باطل من قولكم، لأن الذئب لا يملك والواجد يملك، والواجد مخاطب، والذئب ليس مخاطبا، وقد أمر الواجد بأخذها، فزيادتكم كاذبة مردودة عليكم - وبالله تعالى التوفيق. فظهر سقوط هذه الأقوال كلها بتيقن، وأن كل واحد منهم أخذ ببعض الخبر وجعله حجة وترك بعضه ولم يره حجة. واختلفوا في ذلك: فأخذ هذا ما ترك هذا، وترك هذا ما أخذ الآخر، وهذا ما لا طريق للصواب إليه أصلا - وبالله تعالى التوفيق. ولئن كان الخبر حجة في موضع فإنه لحجة في كل ما فيه، إلا أن تأتي مخالفة له بناسخ متيقن، وإن كان ليس حجة في شيء منه فكله ليس حجة، والتحكم في أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز - وبالله تعالى التوفيق.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية