المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص247
دار الفكر - بيروت
روينا من طريق البخاري قال: وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة نا عمرو «عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فكنت على بكر صعب لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: بعنيه؟ قال: هو لك يا رسول الله، قال: بعنيه؟ فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت» قالوا فهذا بيع صحيح لا تفرق فيه وهبة لما ابتاع - عليه السلام - قبل التفرق بلا شك.
قال أبو محمد: هذا خبر لا حجة لهم فيه لوجوه -: أولها - أنه وإن لم يكن فيه تفرق فيه التخيير بعد العقد، وليس السكوت عنه بمانع من كونه؛ لأن صحة البيع تقتضيه ولا بد - ولم يذكر في هذا الخبر ثمن أيضا، فينبغي لهم أن يجيزوا البيع بغير ذكر ثمن أصلا؛ لأنه لم يذكر فيه ثمن.
فإن قالوا: لا بد من الثمن بلا شك؛ لأن البيع لا يصح إلا به؟ قلنا: ولا بد من التفرق أو التخيير؛ لأن البيع لا يكون بيعا، ولا يصح أصلا إلا بأحدهما، ولا فرق بينهم في احتجاجهم بهذا الخبر في إسقاط حكم ما لم يذكر فيه من التخيير بعد العقد، وبين من احتج به في البيع بالمحرمات؛ لأنه لم يذكر فيه ثمن أصلا، وهذه هبة لما ابتيع قبل القبض بخلاف رأي الحنفيين فهو حجة عليهم، وكذلك القول في الإشهاد سواء سواء.
والوجه الثاني - أنه حتى لو صح لهم أنه لم يكن في هذا البيع تخيير ولا إشهاد أصلا وهو لا يصح أبدا - فمن لهم أن هذه القصة كانت بعد قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر» ؟ وبعد أمر الله تعالى بالإشهاد، ومن ادعى علم ذلك فهو كذاب أفك يتبوأ - إن شاء الله تعالى - مقعده من النار لكذبه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فإن كان هذا الخبر قبل ذلك كله؟ فنحن نقول: إن البيع حينئذ كان يتم بالعقد وإن لم يتفرقا ولا خير أحدهما الآخر، وإن الإشهاد لم يكن لازما وإنما وجب كل ما ذكرنا
#