المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص34
دار الفكر - بيروت
أما قول الله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام» .
وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] فصح أنه ليس لأحد أن يعقد في دمه، ولا في ماله، ولا في عرضه، ولا في بشرته عقدا، ولا أن يلتزم في شيء من ذلك حكما، إلا ما جاء النص بإيجابه باسمه، أو بإباحته باسمه. فصح أن العقود التي أمر الله تعالى بالوفاء بها إنما هي العقود المنصوص عليها بأسمائها، وأن كل ما عداها فحرام عقده.
وأيضا: فإن الله عز وجل يقول: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] . فصح أن من التزم أن يفعل شيئا ولم يقل: إن شاء الله، فقد خالف أمر الله تعالى، وإذا خالف أمر الله تعالى لم يلزمه عقد خالف فيه أمر ربه عز وجل، بل هو معصية يلزمه أن يستغفر الله عز وجل منه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فإن قال: إلا أن يشاء الله، فقد علمنا يقينا علم ضرورة إذ قد عقد ذلك العقد بمشيئة الله عز وجل ثم لم ينفذه ولا فعله، فإن الله تعالى لم يشأه، إذ لو شاءه الله لأنفذه وأتمه، فلم يخرج عما التزم من كون ذلك العقد إن شاءه الله تعالى أنفذه وأتمه وإلا فلا.
وأيضا: فإن المخالفين لنا في هذا لا يرون جميع العقود لازمة، ولا يأخذون بعموم الآية التي احتجوا بها، بل يقولون فيمن عقد على نفسه أن يصبغ ثوبه أصفر، أو أن يمشي إلى السوق، أو نحو هذا: أنه لا يلزمه، فقد نقضوا احتجاجهم بعمومها، ولزمهم أن يأتوا بالحد المفرق بين ما يلزمونه من العقود وبين ما لا يلزمونه، وبالبرهان على صحة ذلك الحد، وذلك الفرق وإلا فقولهم مردود، لأنه دعوى بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل.
قال الله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] .
#