المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص37
دار الفكر - بيروت
قال أبو محمد: أما قول مالك فخطأ لا برهان على صحته أصلا؛ لأنه تفريق بين ما لا فرق بينه بلا برهان، لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من رواية سقيمة، ولا من قول صاحب، ولا قياس، ولا رأي له وجه، وما نعلم هذا القول عن أحد قبله.
ويلزم عليه أن من كان بناء فمر على حائط مائل فأصلحه وبناه: أن له أجرة عليه، فإن لم يكن بناء وبناه فلا أجر له.
وكذلك من نسج غزلا لآخر لم يأمره به، فإن كان نساجا فله الأجرة، وإن لم يكن نساجا فلا أجرة له - والباب يتسع ههنا جدا، فإما أن يتزيدوا من التحكم في أموال الناس بالباطل، وإما أن يتناقضوا، لا بد من أحدهما.
وأما قول أبي حنيفة وأصحابه: ففي غاية الفساد والتخليط؛ لأنهم حدوا حدا لم يأت به قط قرآن ولا سنة، ولا رواية سقيمة، ولا قول صاحب ولا تابع، ولا أحد قبلهم، ولا قياس، ولا رأي يعقل.
ثم فيه من التخاذل ما لا يخفى على ذي مسكة عقل، وهم قد قالوا: من قتل جارية تساوي مائة ألف درهم فصاعدا، أو أقل إلى خمسة آلاف درهم لم يكن عليه إلا خمسة آلاف غير خمسة دراهم - ومن قتل عبدا يساوي عشرين ألف درهم فصاعدا، أو أقل إلى عشرة آلاف درهم لم يكن عليه إلا عشرة آلاف درهم غير عشرة دراهم.
ثم سووا في جعل الآبق بين المرأة والرجل، وأسقط أبو حنيفة درهما من قيمته إن لم يساو أربعين درهما، فهلا أسقط من ثمن الذكر عشرة دراهم ومن ثمن الأمة خمسة دراهم كما فعل في القتل؟ أو هلا أسقط هنالك درهما كما أسقط هنا؟ وليت شعري من أين قصدوا إلى الدرهم؟ ولعله بغلي أيضا كالذي حد به النجاسات، وهلا حد بنصف درهم أو بربع درهم أو بفلس؟ ثم إيجاب أبي يوسف أربعين درهما في جعله وإن لم يساو إلا درهما فيا لله ويا للمسلمين من أضل طريقة، أو أبعد عن الحقيقة، أو أقل مراقبة ممن يعارض حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المصراة في أن ترد وصاع تمر لحماقتهم وآرائهم المنتنة فقالوا: أرأيت إن كان اشتراها بنصف صاع تمر؟ ثم يوجب مثل هذا في الجعل الذي لم يصح فيه سنة قط.
#