المحلى بالآثار — ج 8
الإمام ابن حزم • الفقه • ج8 ص154
دار الفكر - بيروت
وقالوا: لما كانت الأحباس تخرج إلى غير مالك: بطل ذلك، كمن قال: أخرجت داري عن ملكي.
قال أبو محمد: وهذه وساوس؛ لأن الحبس ليس إخراجا إلى غير مالك، بل إلى أجل المالكين - وهو الله تعالى - كعتق العبد ولا فرق.
ثم قد تناقضوا فأجازوا تحبيس المسجد، والمقبرة، وإخراجهما إلى غير مالك، وأجازوا الحبس بعد الموت في أشهر أقوالهم، فبلحوا عند هذه فقالوا: المسجد إخراج إلى المصلين فيه.
فقلنا: كذبتم؛ لأنهم لا يملكون بذلك، وصلاتهم فيه كصلاتهم في طريقهم في فضاء متملك ولا فرق.
وقالوا: إنما خرجت عن ملكي إلى غير مالك ولا فرق؛ لأن هذا القول نظير الحبس عندكم في الحياة، فوجب أن يكون نظيره في الموت ولا فرق.
وقالوا: لما كانت الصدقات لا تجوز إلا حتى تحاز، وكان الحبس لا مالك له: وجب أن يبطل.
فقلنا: هذا احتجاج للخطأ بالخطأ، وقد أبطلنا قولكم: أن الصدقة لا تصح حتى تقبض، وبينا أنه رأي من عمر، وعثمان - رضي الله عنهما - قد خالفهما غيرهما فيه، كابن مسعود، وعلي - رضي الله عنهما -، فكيف والحبس خارج إلى قبض الله عز وجل له، الذي هو وارث الأرض ومن عليها وكل شيء بيده وفي قبضته.
وقد أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة أبي طلحة لله تعالى دون أن يذكر متصدقا عليه، ثم أمره - عليه الصلاة والسلام - أن يجعلها في أقاربه وبني عمه - وبالله تعالى التوفيق.
ومن عجائب الدنيا المخزية لهم: احتجاجهم في هذا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساق الهدي في الحديبية وقلدها، وهذا يقتضي إيجابه له، ثم صرفها عما أوجبها له وجعلها للإحصار، ولذلك أبدلها عاما ثانيا.
قال أبو محمد: أول ذلك كذبهم في قولهم، وهذا يقتضي إيجابه له وما اقتضى
#