المحلى بالآثار — ج 8
الإمام ابن حزم • الفقه • ج8 ص221
دار الفكر - بيروت
وهلا قاسوا به غير السائمة في الزكاة على السائمة؟ وهلا قاسوا غير السارق على السارق، وغير القاتل على القاتل؟ وهذه حماقة لا نظير لها. وقال بعضهم: لم يذكر في الآية إلا من فيه خير، وبقي حكم من لا خير فيه، فأجزنا كتابته بالأخبار التي فيها ذكر الكتابة جملة؟ فقلنا لهم: فأبيحوا بمثل هذا الدليل أكل كل مختلف فيه لقوله تعالى: {كلوا واشربوا} [البقرة: 60] وهذا باطل بقوله - عليه الصلاة والسلام - «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» . ويلزمكم أن تجيزوا كتابة المجنون، والصغير: بعموم تلك الأحاديث. وأيضا: فإنه لا يكون مكاتبا إلا من أباح الله تعالى مكاتبته أو أمر بها. وأيضا: فلم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثر قط في المكاتب إلا وفيه بيان أنه مسلم - وأمر الله تعالى بالمكاتبة وبكل ما أمر به فرض لا يحل لأحد أن يقول له الله تعالى: افعل أمرا كذا، فيقول هو: لا أفعل إلا أن يقول له تعالى: إن شئت فافعل وإلا فلا.
وروينا من طريق إسماعيل بن إسحاق نا علي بن عبد الله نا غندر نا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أن سيرين سأله المكاتبة؟ فأبى عليه، فقال له عمر بن الخطاب: والله لتكاتبنه، وتناوله بالدرة، فكاتبه. وبه إلى علي بن عبد الله نا روح بن عبادة نا ابن جريج قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا، قال ابن جريج: وقال لي أيضا عمرو بن دينار: قال ابن جريج: وأخبرني عطاء: أن موسى بن أنس بن مالك أخبره أن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة؟ وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر بن الخطاب فاستأذنه فقال عمر لأنس: كاتبه؟ فأبى، فضربه عمر بالدرة وقال: كاتبه، ويتلو {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] فكاتبه أنس. وبه إلى ابن المديني نا سعيد بن عامر نا جويرية بن أسماء عن مسلم بن أبي مريم عن عبد كان لعثمان بن عفان فذكر حديثا وفيه: أنه استعان بالزبير فدخل معه على
#