المحلى بالآثار — ج 9
الإمام ابن حزم • الفقه • ج9 ص256
دار الفكر - بيروت
وصح عن شريح أن امرأة قالت له: إن زوجي غاب، وإني استدنت دينارا فأنفقتها على نفسي؟ فقال لها شريح: أكان أمر بذلك؟ قالت: لا، قال: فاقضي دينك.
وقال أبو حنيفة: لا نفقة للمرأة إلا أن يفرضها لها السلطان.
قال أبو محمد: قد فرضها لها سلطان السلاطين وهو الله تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فبطل رأي أبي حنيفة.
وقال مالك: من غاب ثم قدم فطلبته امرأة بالنفقة، فإن أقامت لها بينة بأنها أقر لها بأنه لم يبعث إليها بشيء قضى لها، وإلا فلا نفقة لها إلا من يوم ترفعه.
قال أبو محمد: وهذه أيضا قضية لا دليل على صحتها، ولا يدرى بماذا سقط حقها الواجب لها بدعواه.
وأما من لم يقدر على النفقة فقد اختلف الناس في حكمه -: فقالت طائفة: يسجن فلا يطلق ولا يكلف طلاقا. وهذا قول عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة.
قال أبو محمد: ليت شعري لماذا يسجن؟ وقالت طائفة: يجبر على أن ينفق أو يطلق -: كما روينا عن عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: " كتب عمر إلى أمراء الأجناد ادعوا - فلانا وفلانا - ناسا قد انقطعوا عن المدينة ورحلوا عنها: إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا بنفقة إليهن، وإما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضى ".
ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته أجبر على طلاقها.
قال أبو محمد: فنظرنا فيما يحتج به أهل هذه المقالة بما روينا من طريق البزار نا عمرو بن علي نا أبو معاوية الضرير نا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى» ، تقول امرأتك: أنفق علي أو طلقني.
قال أبو محمد: فنظرنا في هذا الخبر - فوجدنا هذه الزيادة ليست عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.
#