المحلى بالآثار — ج 9
الإمام ابن حزم • الفقه • ج9 ص58
دار الفكر - بيروت
برهان ذلك -: ما ذكرناه قبل من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البكر «إذنها صماتها» ، وما رويناه عن مسلم: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري نا خالد بن الحارث نا هشام - هو الدستوائي - عن يحيى بن أبي كثير نا أبو سلمة - هو ابن عبد الرحمن بن عوف - نا أبو هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» .
قال أبو محمد: فذهب قوم من الخوالف إلى أن البكر إن تكلمت بالرضا فإن النكاح يصح بذلك خلافا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الصحابة - رضي الله عنهم -، فسبحان الذي أوهمهم أنهم أصح أذهانا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوقع في نفوسهم أنهم وقفوا على فهم وبيان غاب عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعوذ بالله عن مثل هذا.
فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه أبطل النكاح كما تسمعون عن البكر ما لم تستأذن فتسكت، وأجازه إذا استأذنت فسكتت بقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها» .
وأما الصحابة فإنهم كما أوردنا في الخبر المذكور آنفا لم يعرفوا ما إذن البكر حتى سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه، وإلا فكان سؤالهم عند هؤلاء فضولا، وحاش لهم من ذلك، فتنبه هؤلاء لما لم يتنبه له أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نبه عنه - عليه السلام -، وهذا كما ترون.
وما علمنا أحدا من السلف روي عنه أن كلام البكر يكون رضا، وقد روينا عن عمر بن الخطاب، وعلي، وغيرهما: أن إذنها هو السكوت.
ومن عجائب الدنيا قول مالك: إن العانس البكر لا يكون إذنها إلا بالكلام - وهذا مع مخالفته لنص كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي غاية الفساد لأنه أوجب فرضا على العانس ما أسقطه عن غيرها فلوددنا أن يعرفونا الحد الذي إذا بلغته المرأة انتقل فرضها إلى ما ذكر - وبالله تعالى التوفيق.
#