المحلى بالآثار — ج 11
الإمام ابن حزم • الفقه • ج11 ص335
دار الفكر - بيروت
وأما من دعا إلى تأويل لا يحل به سنة، لكن مثل تأويل معاوية في أن يقتص من قتلة عثمان قبل البيعة لعلي: فهذا يعذر؛ لأنه ليس فيه إحالة شيء من الدين، وإنما هو خطأ خاص في قصة بعينها لا تتعدى.
ومن قام لعرض دنيا فقط، كما فعل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعل مروان بن محمد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضا عن مروان، فهؤلاء لا يعذرون، لأنهم لا تأويل لهم أصلا، وهو بغي مجرد.
وأما من دعا إلى أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وإظهار القرآن، والسنن، والحكم بالعدل: فليس باغيا، بل الباغي من خالفه - وبالله تعالى التوفيق.
وهكذا إذا أريد بظلم فمنع من نفسه - سواء أراده الإمام أو غيره - وهذا مكان اختلف الناس فيه: فقالت طائفة: إن السلطان في هذا بخلاف غيره، ولا يحارب السلطان وإن أراد ظلما.
كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني أن رجالا سألوا ابن سيرين فقالوا: أتينا الحرورية زمان كذا وكذا، لا يسألون عن شيء غير أنهم يقتلون من لقوا؟ فقال ابن سيرين: ما علمت أن أحدا كان يتحرج من قتل هؤلاء تأثما، ولا من قتل من أراد قتالك إلا السلطان، فإن للسلطان نحوا.
وخالفهم آخرون فقالوا: السلطان وغيره سواء، كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: «أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عامل له أن يأخذ الوهط فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته، وقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من قتل دون ماله - مظلوما - فهو شهيد» .
ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار، قال: «إن عبد الله بن عمرو بن العاص تيسر للقتال دون الوهط، ثم قال: مالي لا أقاتل دونه وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول من قتل دون ماله فهو شهيد» .
#