المحلى بالآثار — ج 12
الإمام ابن حزم • الفقه • ج12 ص115
دار الفكر - بيروت
وكل هذه الأقوال بلا برهان، فسقط هذا القول بلا شك.
فلم يبق إلا قول من قال: يدعى مرة؟ فيقال له: إن من أسلم ثم ارتد: قد تقدم دعاؤه إلى الإسلام حين أسلم بلا شك، إن كان دخيلا في الإسلام، أو حين بلغ، وعلم شرائع الدين، هذا ما لا شك فيه.
وقد قلنا: إن التكرار لا يلزم، فالواجب إقامة الحد عليه، إذ قد اتفقنا - نحن وأنتم - على وجوب قتله إن لم يراجع الإسلام، فالاشتغال عن ذلك وتأخيره باستتابة، ودعاء: لا يلزمان ترك الإقامة عليه - وهذا لا يجوز؟ قالوا: ونحن لم نمنع من دعائه إلى الإسلام في خلال ذلك دون تأخير لإقامة الحق عليه، ولا تضييع له، وإنما كلامنا: هل يجب دعاؤه واستتابته فرضا أم لا؟ فهاهنا اختلفنا، فأوجبتموه بلا برهان، ولم نوجب نحن ولا منعنا؟ فإن قلتم: ندعوه مرة بعد الدعاء الأول السالف: لم تكونوا بأولى ممن قال: بل ادعوه مرة ثانية أيضا بعد هذه المرة؟ أو ممن قال: بل الثالثة بعد الثانية.
أو ممن قال: بل الرابعة بعد الثالثة - وهكذا أبدا.
فبطل بلا شك ما أوجبتم فرضا من استتابته مرة واحدة فأكثر.
قال: وأما قولكم: فإنه قد روي عن أبي بكر، وعمر، وصح عن عثمان، وعلي، وابن مسعود، بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - فلا حجة لكم في هذا: أما الرواية عن أبي بكر - فلا تصح، لأن الطريق في كلتي الروايتين عن ابن لهيعة وهو ساقط.
وأما الحكم في أهل الردة: فهو أمر مشهور، نقل الكواف لا يقدر أحد على إنكاره، إلا أنه لا حجة لكم فيه، لأن أهل الردة كانوا قسمين: قسما لم يؤمن قط كأصحاب مسيلمة، وسجاح، فهؤلاء حربيون لم يسلموا قط، لا يختلف أحد في أنهم تقبل توبتهم وإسلامهم.
#