شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المحلى بالآثار — ج 12

الإمام ابن حزم • الفقه • ج12 ص196

دار الفكر - بيروت

قال أبو محمد: حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا ابن جريج ني محمد بن الحارث بن سفيان عن أبي سلمة بن سفيان: أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين أقبلت أسوق غنما لي فلقيني رجل فحفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم أصابني؟ فقال عمر: ما قلت؟ فأعادت، فقال عمر بن الخطاب ويشير بيده: مهر مهر مهر - ثم تركها.

وبه - إلى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن الوليد بن عبد الله - وهو ابن جميع - عن أبي الطفيل أن امرأة أصابها الجوع فأتت راعيا فسألته الطعام؟ فأبى عليها حتى تعطيه نفسها، قالت: فحثى لي ثلاث حثيات من تمر وذكرت أنها كانت جهدت من الجوع، فأخبرت عمر، فكبر وقال: مهر مهر مهر - ودرأ عنها الحد؟

قال أبو محمد - رحمه الله -: قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ولم ير الزنى، إلا ما كان مطارفة، وأما ما كان فيه عطاء أو استئجار فليس زنى ولا حد فيه.

وقال أبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأصحابنا، وسائر الناس، هو زنى كله وفيه الحد.

وأما المالكيون، والشافعيون، فعهدنا بهم يشنعون خلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف - إذا وافق تقليدهم - وهم قد خالفوا عمر - رضي الله عنه - ولا يعرف له مخالف من الصحابة - رضي الله عنهم -، بل هم يعدون مثل هذا إجماعا، ويستدلون على ذلك بسكوت من بالحضرة من الصحابة عن النكير لذلك.

فإن قالوا: إن أبا الطفيل ذكر في خبره أنها قد كان جهدها الجوع؟ قلنا لهم: وهذا أيضا أنتم لا تقولون به، ولا ترونه عذرا مسقطا للحد، فلا راحة لكم في رواية أبي الطفيل مع أن خبر أبي الطفيل ليس فيه أن عمر عذرها بالضرورة، بل فيه: أنه درأ الحد من أجل التمر الذي أعطاها وجعله عمر مهرا.

وأما الحنفيون المقلدون لأبي حنيفة في هذا فمن عجائب الدنيا التي لا يكاد يوجد لها نظير: أن يقلدوا عمر في إسقاط الحد هاهنا بأن ثلاث حثيات من تمر مهر، وقد خالفوا هذه القضية بعينها فلم يجيزوا في النكاح الصحيح مثل هذا وأضعافه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية