المحلى بالآثار — ج 12
الإمام ابن حزم • الفقه • ج12 ص361
دار الفكر - بيروت
والعجب كله فيمن يتعلل في رد هذه السنة بهذا الاضطراب، وهم يأخذون بحديث «لا قطع إلا في ربع دينار» .
وبحديث «القطع في مجن ثمنه عشرة دراهم» وهما من الاضطراب بحيث قد ذكرناه، وذلك الاضطراب أشد من الاضطراب في هذا الخبر بكثير، أو يأخذ بخبر ابن عمر: «قطع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» وليس فيه بيان أن ذلك حد القطع، وقد عارضه مثله في الصحة من القطع في ربع دينار؟ قال أبو محمد - رحمه الله -: فإن في هذا الوجه من الاضطراب ليس علة في شيء من الأخبار، فلنقل بعون الله تعالى: إن في هاتين الروايتين اللتين إحداهما: استعارت المتاع فجحدت فأمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بقطعها - وفي الأخرى: أنها سرقت فأمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بقطع يدها: لا يخلو من أن يكونا في قصتين اثنتين، في امرأتين متغايرتين، أو يكونا في قصة واحدة، في امرأة واحدة؟ فإن كانت في قصتين، وفي امرأتين، فقد انقطع الهذر، وبطل الشغب جملة، ويكون الكلام في شفاعة أسامة فيهما جميعا، على ما قد ذكرنا - من البيان - من أنه شفع في السرقة فنهي، ثم شفع في المستعيرة وهو لا يعلم أن حد ذلك أيضا القطع.
على أننا لو شئنا القطع، فإنهما امرأتان متغايرتان، وقضيتان اثنتان، لكان لنا متعلق، بخلاف دعاويهم المجردة من كل علقة، إلا من المجاهرة بالباطل، والجسر على الكذب، لكان: كما نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد المخزومي أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي أخبره «أن امرأة جاءت إلى امرأة فقالت: إن فلانة تستعيرك حليا - وهي كاذبة - فأعارتها إياه، فمكثت لا ترى حليها، فجاءت التي كذبت علي فيها فسألتها حليها، فقالت: ما استعرت منك شيئا، فرجعت إلى الأخرى فسألتها حليها، فأنكرت أن تكون استعارت منها شيئا، فجاءت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
#