مختصر منهاج القاصدين
نجم الدين ابن قدامة • التزكية والرقائق • ص 190
مكتبة دار البيان، دمشق
#
فإذا تأملت ما ذكرنا، علمت أنك عدو لنفسك، وهو صديق لعدوك، فما مثلك إلا كمثل من يرمى حجرا عدوه ليصيب مقتله فلا يصيبه، ويرجع الحجر على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزيد غضبه، فيعود ويرميه بحجر أشد من الأول، فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميها، فيزداد غيظه، فيرميه الثالثة، فيعود الحجر على رأسه فيشدخه، وعدوه سالم يضحكك منه، فهذه الأدوية العلمية، فإذا تفكر الإنسان فيها، أخمدت نار الحسد في قلبه.
وأما العمل النافع فيه، فهو أن يتكلف نقيض ما يأمر به الحسد فإذا بعثه على الحقد والقدح في المحسود، كلف نفسه المدح له، والثناء عليه، وإن حمله الكبر، ألزم نفسه التواضع له، وإن بعثه على كف الأنعام عنه، ألزم نفسه زيادة في الإنعام.
وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن شخصا اغتابهم، أهدوا إليه هدية.
فهذه أدوية نافعة للحسد جدا، إلا أنها مرة، وربما يسهل شربها أن يعلم أنه إذا كلن لا يكون كل ما تريد، فأرد ما يكون، وهذا هو الدواء الكلى، والله أعلم.
7 باب في ذم الدنيا
الآيات الواردة في القرآن العزيز بعيب الدنيا، والتزهيد فيها، وضرب الأمثال لها كثيرة كقوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} [آل عمران: 14 - 15]، وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185]، وقوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} الآية [يونس: 24]، وقوله: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة} [الحديد: 20]، وقوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} [الزخرف: 35]، وقوله: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم} [النجم: 29، 30].
وأما الأحاديث، ففى "الصحيحين" من رواية المستور بن شداد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع؟ ".
#