الموافقات — ج 1
الشاطبي • أصول الفقه • ج1 ص331
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
فالفقهاء يفرقون بين أن يغلب على ظنه السلامة، أو الهلكة، أو يقطع بإحداهما؛ فالذي اعتقد السلامة جائز له ما فعل، والذي اعتقد الهلكة من غير نفع يمنع من ذلك، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] .
وكذلك داخل المفازة بزاد أو بغير زاد؛ إذا غلب على ظنه السلامة فيها جاز له الإقدام، وإن غلب على ظنه الهلكة لم يجز.
وكذلك إذا غلب على ظنه الوصول إلى الماء في الوقت؛ أمر بالتأخير ولا يتيمم [فإن غلب على ظنه أن لا ماء يتيمم] ، [وكذلك راكب البحر1 وعلى هذا يباح له التيمم مع وجود الماء في رحله أو يمنع، وإن غلب على ظنه الوصول إلى الماء في الوقت] 2، وإذا غلب على ظن المريض زيادة المرض أو تأخر البرء أو إصابة المشقة بالصوم، أفطر ... إلى غير ذلك من المسائل المبنية3 على غلبات الظنون، وإن كانت موجبات الظنون تختلف؛ فذلك غير قادح في هذا الأصل، فمسألتنا داخلة تحت هذه القاعدة.
فمن تحقق بأن الخروج عن السبب كالدخول فيه بالنسبة إلى ضمان الله تعالى الرزق؛ صح أن يقال: إنه لا يجب عليه التسبب فيه, ولذلك نجد أصحاب الأحوال يركبون الأهوال، ويقتحمون الأخطار، ويلقون بأيديهم إلى ما هو عند غيرهم تهلكة؛ فلا يكون كذلك، بناء على أن ما هم فيه من مواطن الغرر وأسباب الهلكة، يستوي مع ما هو عندنا من مواطن الأمن وأسباب النجاة.
