الموافقات — ج 2
الشاطبي • أصول الفقه • ج2 ص356
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
إخلاصه"1.
قال: "والإنسان منهمك في حظوظه ومنغمس في شهواته، قلما ينفك فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته عن حظوظ ما، وأغراض عاجلة [من هذه الأجناس] ، ولذلك [قيل] : من سلم له من عمره خطرة واحدة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعز الإخلاص، وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب، بل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى"2.
ثم قال:"وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصد التقرب، فلا يكون فيه باعث سواه".
قال: "وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستهتر، مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق ل[حب] الدنيا في قلبه قرار، حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا، بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة3، فلا يشتهي الطعام لأنه طعام؛ بل لأنه يقويه على العبادة، ويتمنى [أن] لو كفي شر الجوع حتى لا يحتاج إلى الأكل، فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة، ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنه ضرورة دينية، فلا يكون له هم إلا الله تعالى، فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته، كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته، فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى4 على العبادة بعده؛ كان نومه عبادة وحاز درجة المخلصين، ومن ليس كذلك؛ فباب الإخلاص في الأعمال كالمسدود عليه إلا على سبيل الندور"، ثم تكلم على باقي المسألة، وله5 في "الإحياء" من هذا المعنى مواضع يعرفها من زواله، فإذا كان كذلك، فالعامل الملتفت إلى حظ نفسه على
