الموافقات — ج 2
الشاطبي • أصول الفقه • ج2 ص48
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
الكفر، ووجوب إحياء النفوس ومنع إتلافها، وما أشبه ذلك، فكأن يكون الإيمان الذي لا أعلى منه في مراتب التكليف منهيا عنه، من جهة ما فيه من كسر النفس عن1 إطلاقها وقطعها عن نيل أغراضها وقهرها تحت سلطان التكليف الذي لا لذة فيه لها، وكان الكفر الذي يقتضي إطلاق النفس من قيد التكاليف2، وتمتعها بالشهوات من غير خوف، مأمورا به أو مأذونا فيه؛ لأن الأمور الملذوذة والمخرجة عن القيود القاهرة مصلحة على الجملة، وكل هذا باطل محض، بل الإيمان مطلوب بإطلاق، والكفر منهي عنه بإطلاق، فدل [هذا] 3 على أن جهة المفسدة بالنسبة إلى طلب الإيمان وجهة المصلحة بالنسبة إلى النهي عن الكفران غير معتبرة شرعا، وإن ظهر تأثيرها عادة وطبعا.
والثاني:
أن ذلك لو كان مقصود الاعتبار شرعا، لكان تكليف العبد كله تكليفا بما لا يطاق، وهو باطل شرعا، أما كون تكليف ما لا يطاق باطلا شرعا، فمعلوم في الأصول، وأما بيان الملازمة، فلأن الجهة المرجوحة مثلا مضادة في الطلب للجهة الراجحة، وقد أمر مثلا بإيقاع المصلحة الراجحة، لكن على وجه يكون فيه منهيا عن إيقاع المفسدة المرجوحة، فهو مطلوب بإيقاع الفعل ومنهي عن إيقاعه معا، والجهتان غير منفكتين، لما تقدم من أن المصالح والمفاسد غير متمحضة، فلا بد في إيقاع الفعل أو عدم إيقاعه من توارد4 الأمر والنهي معا فقد قيل له: "افعل" "ولا تفعل" لفعل واحد، أي من وجه واحد في الوقوع، وهو عين تكليف ما لا يطاق.
لا يقال: إن المصلحة قد تكون غير مأمور بها، ولكن مأذونا فيها، فلا يجتمع الأمر والنهي معا، فلا يلزم المحظور.
