الموافقات — ج 2
الشاطبي • أصول الفقه • ج2 ص537
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
فإن قيل: إنما أمر بها من حيث حق العبد خاصة، ومن جهة حق العبد حصل فيها الثواب؛ لا من كونها طاعة متقربا بها.
قيل: هذا غير صحيح؛ إذ لو كان كذلك؛ لصح الثواب بدون النية؛ لأن حق العبد حاصل بمجرد الفعل من غير نية، لكن الثواب مفتقر في حصوله إلى نية.
وأيضا، فلو حصل الثواب بغير نية، لأثيب الغاصب إذا أخذ منه المغصوب كرها، ليس كذلك باتفاق وإن حصل حق العبد، فالصواب أن النية شرط في كون العمل عبادة، والنية المرادة هنا نية الامتثال لأمر الله ونهيه، وإذا كان هذا جاريا في كل فعل وترك، ثبت أن في الأعمال المكلف بها طلبا تعبديا على الجملة.
وهو دليل سادس في المسألة.
فإن قيل: فيلزم على هذا أن يفتقر كل عمل إلى نية، وأن لا يصح عمل من لم ينو، أو يكون عاصيا.
قيل: قد مر أن ما فيه حق العبد تارة يكون هو المغلب، وقد يكون جهة التعبد هي المغلبة، فما كان المغلب فيه التعبد، فمسلم ذلك فيه، وما غلب فيه جهة العبد، فحق العبد يحصل بغير نية، فيصح العمل هنا من غير نية ولا يكون عبادة لله، فإن راعى جهة الأمر، فهو من تلك الجهة عبادة، فلا بد فيه من نية، أي: لا يصير عبادة إلا بالنية، لا أنه يلزم فيه النية أو يفتقر إليها، بل بمعنى أن النية في الامتثال صيرته عبادة، كما إذا أقرض امتثالا للأمر بالتوسعة على المسلم، أو أقرض بقصد دنيوي، وكذلك البيع والشراء، والأكل والشرب والنكاح والطلاق وغيرها، ومن هنا كان السلف رضي الله عنهم يثابرون على
#
