الموافقات — ج 3
الشاطبي • أصول الفقه • ج3 ص515
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
ثم استدرك البيان المنتظر بقوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26] نفيا لتوهم من يتوهم أنه أنزل بقصد الإضلال لقوم والهداية لقوم، أي: هو هدى كما قال أولا {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ، لكن الفاسقين1 يضلون بنظرهم إلى غيرهم المقصود من إنزال القرآن، كذلك هو هدى للمتقين الذين ينظرون إلى صوب الحقيقة فيه، وهو الذي أنزل من أجله، وهذا المكان يستمد من المسألة الأولى2، فإذا تقرر هذا؛ صارت النعم نعما بالقصد الأول، وكونها بالنسبة إلى قوم آخرين بخلاف ذلك من جهة أخذهم لها على غير الصوب الموضوع فيها، وذلك معنى القصد الثاني، والله أعلم.
وأما الثاني، وهو أن المطلوب الترك بالكل هو بالقصد الأول3؛ فكذلك أيضا؛ لأنه لما تبين أنه خادم لما يضاد المطلوب الفعل؛ صار مطلوب الترك؛ لأنه ليس فيه إلا قطع الزمان في غير فائدة، وليس له قصد ينتظر حصوله منه على الخصوص؛ فسماع4 الغناء المباح مثلا ليس بخادم لأمر ضروري ولا حاجي ولا تكميلي، بل قطع الزمان به صد عما هو خادم5 لذلك؛ فصار خادما لضده.
ووجه ثان: أنه من قبيل اللهو الذي سماه الشارع باطلا؛ كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا} [الجمعة: 11] ، يعني: الطبل أو المزمار أو الغناء.
