الموافقات — ج 5
الشاطبي • أصول الفقه • ج5 ص238
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
لتلك الكليات المقدمة، وبناء على تلك الأصول المحكمة، فضلا من الله ونعمة. فالأصول الأول باقية لم تتبدل ولم تنسخ؛ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجهه1 عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات.
وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مع الأحكام المدنية، فإن الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس، وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين.
وأما الأحكام المدنية، فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات، والرخص والتخفيفات وتقرير العقوبات -في الجزئيات لا الكليات، فإن الكليات كانت مقررة محكمة2 بمكة-، وما أشبه ذلك، مع بقاء الكليات المكية على حالها، وذلك3 يؤتى بها في السور المدنيات تقريرا وتأكيدا، فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين وتمت واسطتها بالطرفين، فقال الله تعالى عند ذلك: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] .
وإنما عنى الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان
