الموافقات — ج 5
الشاطبي • أصول الفقه • ج5 ص273
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
فالجواب: أن هذا السؤال غير وارد على القصد المقرر؛ لأنا إنما1 تكلمنا على صحة الانتصاب والانتفاع في الوقوع لا في الحكم الشرعي؛ فنحن نقول: واجب على العالم المجتهد الانتصاب والفتوى على الإطلاق، طابق قوله فعله أم لا، لكن الانتفاع بفتواه لا يحصل ولا يطرد2 إن حصل؛ وذلك أنه إن كان موافقا3 قوله لفعله حصل الانتفاع والاقتداء به في القول والفعل معا أو كان مظنة للحصول؛ لأن الفعل يصدق القول أو يكذبه، وإن خالف فعله قوله؛ فإما أن تؤديه المخالفة إلى الانحطاط عن رتبة العدالة إلى الفسق، أو لا؛ فإن كان الأول؛ فلا إشكال في عدم صحة الاقتداء وعدم صحة الانتصاب شرعا وعادة، ومن اقتدى به كان مخالفا مثله؛ فلا فتوى في الحقيقة ولا حكم، وإن كان الثاني؛ صح الاقتداء به واستفتاؤه وفتواه فيما وافق4 دون ما خالف، فمن المعلوم كما تقدم أنه إذا أفتاك بترك الزنا والخمر وبالمحافظة على الواجبات وهو في فعله على حسب فتواه [لك] ؛ حصل تصديق قوله بفعله، وإذا أفتاك بالزهد في الدنيا أو ترك مخالطة المترفين أو نحو ذلك مما لا يقدح في أصل العدالة ثم رأيته يحرص على الدنيا ويخالط من نهاك عن مخالطتهم؛ فلم يصدق القول الفعل.
هذا وإن كان الشرع قد أمرك بمتابعة قوله؛ فقد نصبه الشارع أيضا ليؤخذ بقوله وفعله؛ لأنه وارث النبي، فإذا خالف فقد خالف مقتضى المرتبة، وكذب الفعل القول لما في الجبلات من جواذب التأسي بالأفعال.
