شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الموافقات — ج 5

الشاطبي • أصول الفقه • ج5 ص299

تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان

المسألة الرابعة:

وذلك أن من اجتمعت فيه شروط الانتصاب للفتوى على قسمين:

أحدهما: من كان منهم في أفعاله وأقواله وأحواله عند1 مقتضى فتواه؛ فهو متصف بأوصاف العلم، قائم معه مقام الامتثال التام؛ حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك عن السؤال في كثير من الأعمال، كما كان رسول الله عليه وسلم يؤخذ العلم من قوله وفعله وإقراره.

فهذا القسم إذا وجد؛ فهو أولى ممن ليس كذلك، وهو القسم الثاني وإن كان في أهل العدالة مبرزا؛ لوجهين:

أحدهما: ما تقدم في موضعه من أن من هذا حاله؛ فوعظه أبلغ، وقوله أنفع، وفتواه أوقع2 في القلوب ممن ليس كذلك؛ لأنه الذي ظهرت ينابيع العلم عليه، واستنارت كليته به، وصار كلامه خارجا من صميم القلب3، والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، ومن كان بهذه الصفة؛ فهو من الذين قال الله فيهم: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ، بخلاف من لم يكن كذلك؛ فإنه وإن كان عدلا وصادقا وفاضلا لا يبلغ كلامه من القلوب هذه المبالغ، حسبما حققته التجربة العادية.

والثاني4: أن مطابقة الفعل القول شاهد لصدق ذلك القول، كما تقدم بيانه أيضا؛ فمن طابق فعله قوله صدقته القلوب، وانقادت له بالطواعية النفوس، بخلاف من لم يبلغ ذلك المقام وإن كان فضله ودينه معلوما، ولكن التفاوت الحاصل في هذه المراتب مفيد زيادة؛ الفائدة أو عدم زيادتها فمن زهد الناس في الفضول التي لا تقدح في العدالة وهو زاهد فيها وتارك لطلبها؛ فتزهيده أنفع

الصفحة السابقة الصفحة التالية