نيل الأوطار — ج 2
الشوكاني • الفقه • ج2 ص130
تحقيق: عصام الدين الصبابطي — دار الحديث، مصر
<span class="matn">583 - (وعن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه تواضعا لله - عز وجل - دعاه الله - عز وجل - على رءوس الخلائق حتى يخيره في حلل الإيمان أيتهن شاء» . رواه أحمد والترمذي) .
</span><span class="matn-hr"> </span>
[نيل الأوطار]
ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها بدون مجازاة إن جازاه، وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه وقيل: لا يدخلها مع المتقين أول وهلة ويمكن أن يقال: إن هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث التي وردت مصرحا فيها بعدم دخول جماعة من العصاة الجنة أو عدم خروج جماعة منهم من النار خاصة.
وأحاديث دخول جميع الموحدين الجنة وخروج عصاتهم من النار عامة، فلا حاجة على هذا التأويل. والحديث أيضا يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء، وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم. والرجل المذكور في الحديث وهو مالك بن مرارة الرهاوي ذكر ذلك ابن عبد البر والقاضي عياض. وقد جمع الحافظ ابن بشكوال في اسمه أقوالا استوفاها النووي في شرح مسلم.
الحديث حسنه الترمذي، وقد رواه من طريق عباس بن محمد الدوري عن عبد الله بن يزيد المقري، عن سعيد بن أبي أيوب عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعبد الرحيم بن ميمون قال النسائي: ليس به بأس، وضعفه ابن معين وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين.
وفيه استحباب الزهد في الملبوس وترك لبس حسن الثياب ورفيعها لقصد التواضع، ولا شك أن لبس ما فيه جمال زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو والخيلاء والكبر، وقد كان هديه - صلى الله عليه وسلم - كما قال الحافظ ابن القيم أن يلبس ما تيسر من اللباس الصوف تارة والقطن أخرى والكتان تارة ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر ولبس الجبة والقباء والقميص إلى أن قال: فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة قابلوهم فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب ولم يأكلوا إلا أطيب وألين الطعام فلم يروا لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا وكلا الطائفتين مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض وفي السنن عن ابن عمر يرفعه «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة» إلى آخر كلامه، وذكر
#
