نيل الأوطار — ج 3
الشوكاني • الفقه • ج3 ص83
تحقيق: عصام الدين الصبابطي — دار الحديث، مصر
<span class="matn">. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
</span><span class="matn-hr"> </span>
[نيل الأوطار]
وجوب فعل التحية والنهي يفيد بحقيقته أيضا تحريم تركها. وقد ذهب إلى القول بالوجوب الظاهرية كما حكى ذلك عنهم ابن بطال. قال الحافظ في الفتح: والذي صرح به ابن حزم عدمه
وذهب الجمهور إلى أنها سنة، وقال النووي: إنه إجماع المسلمين قال: وحكى القاضي عياض عن داود وأصحابه وجوبها. قال الحافظ في الفتح: واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب. قال: ومن أدلة عدم الوجوب قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي رآه يتخطى: " اجلس فقد آذيت، ولم يأمره بصلاة " كذا استدل به الطحاوي وغيره وفيه نظر انتهى
ومن جملة أدلة الجمهور على عدم الوجوب ما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون. ومن أدلتهم أيضا حديث ضمام بن ثعلبة عند البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود والنسائي «لما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما فرض الله عليه من الصلاة، فقال: الصلوات الخمس فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع» وفي رواية للبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود قال: " الصلوات الخمس إلا أن تطوع ". ويجاب عن عدم أمره - صلى الله عليه وسلم - للذي رآه يتخطى بالتحية بأنه لا مانع له من أن يكون قد فعلها في جانب من المسجد وقبل وقوع التخطي منه، أو أنه كان ذلك قبل الأمر بها والنهي عن تركها، ولعل هذا وجه النظر الذي ذكره الحافظ.
ويجاب عن الاستدلال بأن الصحابة كانوا يدخلون ويخرجون ولا يصلون بأن التحية إنما تشرع لمن أراد الجلوس لما تقدم وليس في الرواية أن الصحابة كانوا يدخلون ويجلسون ويخرجون بغير صلاة تحية، وليس فيها إلا مجرد الدخول والخروج فلا يتم الاستدلال إلا بعد تبيين أنهم كانوا يجلسون على أنه لا حجة في أفعالهم. أما عند من يقول بحجية الإجماع فظاهر
وأما عند القائل بذلك فلا يكون حجة إلا فعل جميعهم بعد عصره - صلى الله عليه وسلم - لا في حياته كما تقرر في الأصول، وتلك الرواية محتملة. وأيضا يمكن أن يكون صدور ذلك منهم قبل شرعيتها
ويجاب عن حديث ضمام بن ثعلبة أولا بأن التعاليم الواقعة في مبادئ الشريعة لا تصلح لصرف وجوب ما تجدد من الأوامر وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين واللازم باطل فكذا الملزوم. وأما الملازمة فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر في تعليم ضمام بن ثعلبة في هذا الحديث السابق نفسه على الخمس المذكورة كما في الأمهات، وفي بعضها على أربع ثم لما سمعه يقول بعد أن ذكر له ذلك: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال: " أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق "
وتعليق الفلاح ودخول الجنة بصدقه في ذلك القسم الذي صرح فيه بترك الزيادة على الأمور المذكورة مشعر بأن لا واجب عليه سواها، إذ لو فرض بأن عليه شيئا من الواجبات غيرها لما قرره الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك
#
