تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 230
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
رجاء في رحمة الله
قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]
بددت الشكوى إلى الله ظلمات اليأس، وجددت في القلب أنوار الرجاء في رحمة الله ورفع البلاء القديم والحديث، فخاطب يعقوب العلية أبناءه بهذا النداء المحبب: ﴿ يَٰبَنِيَّ ﴾ الذي إنما استعمله معهم عندما رأى منهم بعض الرّقة في القلوب وبعض الإقبال على الله - سبحانه -، لا حين تكون نفوسهم الأمّارة بالسوء مسيطرة ومتوجهة إلى الاستجابة لكيد الشيطان، ولقد كان البلاء الشديد الذي نزل مع شفقتهم على أبيهم من الضعف أو الهلاك، والموعظة التي وعظهم أبوهم بها بشكواه إلى الله ومعرفته ربه - سبحانه - لما أكبر الأثر في انكسار نفوسهم ورقّة قلوبهم، فوجّه لهم أبوهم نُصحَه بأن يذهبوا في الأرض باحثين عن أخبار يوسف العليه وأخيه بنيامين، و ( التَّجَسُّس ) يكون في الخير، و ( التَّجَسُّس ) يكون في الشر، هذا هو الغالب، وقد يُستعمل ( التَّجَسُّس ) في الشر كذلك كما في الحديث الصحيح: « وَلا تَحَسَّسُوا » (١)، فيكون عند ذلك ( التَّحَسُّس ) للغير، و ( التَّجَسُّس ) للنفس، وهنا ( التَّحَسُّس ) إنما هو الاستعلام والبحث في الخير، ثم بشّرهم بقرب الفرج ونهاهم عن اليأس من رَوْح الله - أي: إراحته ورحمته - فإنه: ﴿ لَا يَاۡيَۡٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴾ وذلك أن الرجاء من أركان الإيمان، وهو من أعمال القلوب الواجبة التي وجود أصلها في القلب ركن من أركان الإيمان، إذا زالت بالكلية زال الإيمان، ولذا قال الإمام الطحاوي - رحمه الله -: ( والأمن واليأس ينقلان عن ملّة الإسلام )، وروى البزار عن ابن عباس مرفوعاً ورجح ابن كثير وقفه: سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر فقال: « الشِّرْكُ بِاللَّهِ،
______
(١) رواه البخاري ( ٥١٤٤ )، ومسلم ( ٢٥٦٣ )، وأبو داود ( ٤٩١٧ ).