شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 245
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قَوْلُهُ: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ)
أَيْ يَنْهَاهُ عَنْهُ، وَيُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ، وَيَزْجُرُهُ عَنْ كَثْرَتِهِ. فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ. أَيْ دَعْهُ عَلَى فِعْلِ الْحَيَاءِ وَكُفَّ عَنْ نَهْيِهِ(١).
وَوَقَعَتْ لَفْظَةُ (دَعْهُ) فِي الْبُخَارِيِّ(٢) وَلَمْ تَقَعْ فِي مُسْلِمٍ.
@@ [12-2]
سَمِعَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»(٣).
فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً.
فَقَالَ عِمْرَانُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَكَلِمَةُ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ ثَوَابًا وَأَعْظَمُ أَهَمِّيَّةً وَوُجُوبًا مِنْ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ دَنِيئَةٌ وَلَكِنَّهَا أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ تَفَاضُلٌ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ فَهُنَاكَ تَفَاضُلٌ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ، وَفِي التَّكْلِيفِ، وَفِي تَعَلُّقِهَا، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَعْظَمُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وَكَلِمَةُ أَدْنَاهَا أَيْ أَدْنَاهَا وُجُوبًا أَوْ أَدْنَاهَا أَجْرًا، وَالشَّيْءُ كُلَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِذَاتِ اللهِ كَانَ أَشْرَفَ، فَإِذَا كَانَتْ آيَاتُ الْقُرْآنِ تَتَفَاضَلُ فَالْأَعْمَالُ أَوْلَى بِالتَّفَاضُلِ.
______
(١) أَيْ دَعْ أَخَاكَ عَلَى حَيَائِهِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْحَقِّ لَا تَنْقُصُ الْحَيَاءَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى شِدَّةِ حَيَاءِ الْإِنْسَانِ أَلَّا يَطْلُبَ حَقَّهُ الشَّخْصِيَّ، وَلَا يُطَالِبَ مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، وَيَسْتَحِيَ مِنَ النَّاسِ فِيمَا لَهُ، وَهَذَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ أَنْ يَتَنَازَلَ الْإِنْسَانُ عَنْ حُقُوقِهِ وَيَعْفُوَ عَنْهَا بِشَرْطِ أَلَّا يَضِيعَ حَقًّا وَاجِبًا، كَمَنْ يَضِيعُ مَالُهُ حَتَّى لَا يَجِدَ كِفَايَةَ نَفْسِهِ وَيَتَكَفَّفَ النَّاسَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَمَثَلًا إِنْسَانٌ سَمَحَ إِذَا اشْتَرَى سَمَحَ إِذَا بَاعَ سَمَحَ إِذَا اقْتَضَى، فَهَذَا مِنَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ قَطُّ وَلَا يُعَاتِبُ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ إِذَا قَصَّرَ فِي حَقِّهِ.
(٢) لَفْظُهُ "دَعْهُ" أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ (٢٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
(٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ....