شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 71
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
عوف بن مالك، فَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ أَحْدَاثًا مَجْزُومٍ بِهَا، مِثْلَ ظُهُورِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فَهَذَا قَطْعًا وَجَزْمًا سَيَظْهَرُ فَهَذِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ، فَنَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ سَيَظْهَرُ الدَّجَّالُ تَحْقِيقًا لَا تَعْلِيقًا، لَكِنْ مَتَى يَظْهَرُ؟!
وَكَذَلِكَ نُزُولُ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فَنَحْنُ نَعْتَقِدُ ذَلِكَ جَزْمًا وَهُوَ غَيْرُ مُعَلَّقٍ وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ، فَهَذَا خَبَرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخُلْفَ لَكِنْ مَتَى يَنْزِلُ وَمَتَى يَظْهَرُ؟! فَلَا نَعْلَمُ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْغَيْبِيَّ سَيَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَكِنْ بِلَا تَفْصِيلٍ يُزِيلُ الْمَوْصُوفَ عَنْ كَوْنِهِ غَيْبًا، بَلْ لَا يَزَالُ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الْغَيْبِ مِثْلَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِوُجُودِهِمَا وَهُمَا غَيْبٌ.
وَالْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]؛ أَي قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ ضِمْنَ هَذَا الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، لَكِنْ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَا يَكُونُ غَيْبًا مُطْلَقًا، فَإِذَا تَكَوَّنَتْ أَعْضَاؤُهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَهُ أَيُّ شَخْصٍ عَنْ طَرِيقِ الْأَشِعَّةِ أَوْ غَيْرِهَا فَهَذَا بَعْدَ التَّكَوُّنِ، وَهَذَا غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]، وَمِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ لِلْجَنِينِ يُحَدِّدُ نَوْعَهُ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى مِنْ سَاعَةِ التَّلْقِيحِ، فَيُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْكْرُومُوسُومَاتِ وَالْجِينَاتِ وَالصِّفَاتِ الْوِرَاثِيَّةِ هَلْ هِيَ (XX) أَوْ (XY)، وَلَكِنَّهَا أَيْضًا قَدْ تَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ يَجِدُوهَا (XX) فَتَكُونُ أُنْثَى ثُمَّ تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرٌ، وَهَذَا ثَبَتَ حَدِيثًا فِي التِّسْعِينَاتِ تَقْرِيبًا أَنَّ هُنَاكَ هَرْمُونَ يَظْهَرُ فِي نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ السَّادِسِ يُشَكِّلُ الْأَعْضَاءَ التَّنَاسُلِيَّةَ فَيَزَادَتُهُ يَجْعَلُهَا ذَكَرِيَّةً وَنُقْصَانُهُ يَجْعَلُهَا أُنْثَوِيَّةً، فَحَتَّى لَوْ كَانَ التَّرْكِيبُ الْكْرُومُوسُومِيُّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ التَّرْكِيبُ الْكْرُومُوسُومِيُّ (XY) وَزَادَ التَّرْكِيبُ الْهَرْمُونِيُّ فَيَتَكَوَّنُ ذَكَرٌ لَكِنْ يَكُونُ ذَكَرًا عَقِيمًا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اكْتِشَافَ الْكْرُومُوسُومِيِّ لَا يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَلِذَلِكَ يَظَلُّ حَتَّى فِي عِلْمِ الْمَلَكِ غَيْبٌ، حَتَّى يَأْمُرَ اللَّهُ ﷻ فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِتَكْوِينِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لَا احْتِمَالَ أَنْ يَحْدُثَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ فِي الْهَرْمُونِ يُغَيِّرُ نَوْعَ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ إِلَى الْآنَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَا هِيَ أَسْبَابُ زِيَادَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهِ، وَلِذَلِكَ مَهْمَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ يَظَلُّ عِلْمُهُ فِيهِ نَقْصٌ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِم (٢٦٤٥)، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﷺ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ. قَالَ يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ....»، وَفِي الْبُخَارِي (٣٢٠٨)، وَمُسْلِم (٢٦٤٣)، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ....»، فَلَحِظَ أَنَّهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي بَعْدَ بُلُوغِ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ يَوْمًا لَمْ يَذْكُرْ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى لِأَنَّ ذَلِكَ تَمَّ تَحْدِيدُهُ حِينَمَا بَلَغَتِ النُّطْفَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا (الْأُسْبُوعُ السَّادِسُ) كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
وَالْخُلَاصَةُ فِي وَجْهَيْنِ أَنَّ اللَّهَ ﷻ: