الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 1
القرطبي • التفسير • ج1 ص228
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشا) فيه ست مسائل: الأولى قوله تعالى:" الذي جعل" معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين: ويأتي بمعنى خلق، ومنه قوله تعالى:" (ما) جعل الله من «1» بحيرة ولا سائبة" [المائدة: 103] وقوله:" وجعل الظلمات والنور" [الانعام: 1] ويأتي بمعنى سمى، ومنه قوله تعالى:" حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه «2» قرآنا عربيا" [الزخرف: 3 1]. وقوله:" وجعلوا «3» له من عباده جزءا" [الزخرف: 15]." وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا «4» " [الزخرف: 19] أي سموهم. ويأتي بمعنى أخذ، كما قال الشاعر: «5»
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... لضغمهما ها يقرع العظم نابها
وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر:
وقد جعلت أرى الاثنين أربعة ... والواحد اثنين لما هدني الكبر
وقد قيل في قوله تعالى" وجعل الظلمات والنور": إنها زائدة. وجعل واجتعل بمعنى واحد، قال الشاعر: «6»
ناط أمر الضعاف واجتعل اللي ... ل كحبل العادية الممدود" فراشا"
أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها. وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد كما قال:" ألم نجعل «7» الأرض مهادا. والجبال أوتادا" [النبأ: 7 6]. والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال:" والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس" «8» [البقرة: 164] الثانية قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث، لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفا.
