الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 3
القرطبي • التفسير • ج3 ص341
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
وهذا في صدر الإسلام، فعلتهم «1» تمنع من الاكتساب بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء. وقيل: معنى" لا يستطيعون ضربا في الأرض" أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. والأول أظهر. والله أعلم. الثانية- قوله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) أي إنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه. وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا عميان. والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره. وفتح السين وكسرها في" يحسبهم" لغتان. قال أبو علي: والفتح أقيس، لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. والقراءة بالكسر حسنة، لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس. و" من" في قوله" من التعفف" لابتداء الغاية. وقيل لبيان الجنس. الثالثة- قوله تعالى: (تعرفهم بسيماهم) فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار «2» وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى:" ولتعرفنهم في لحن القول «3» ". فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي «4» في التجمل. واتفق العلماء على ذلك، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج. فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة، والشافعي اعتبر قوت سنة، ومالك اعتبر أربعين درهما، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. والسيما (مقصورة): العلامة، وقد تمد فيقال السيماء. وقد اختلف العلماء في تعيينها هنا، فقال مجاهد: هي الخشوع والتواضع. السدي: أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة
