الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 3
القرطبي • التفسير • ج3 ص365
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قال:" اجتنبوا السبع الموبقات ... - وفيها- وآكل الربا". وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده. الرابعة والثلاثون- قوله تعالى:" وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم" الآية. روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع:" ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية. موضوع فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" وذكر الحديث. فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم:" لا تظلمون" في أخذ الربا" ولا تظلمون" في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون" لا تظلمون" في مطل، لأن مطل الغني ظلم، فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شي بالصلح. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر:" قم فاقضه". فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات. وسيأتي في" النساء «1» " بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز، إن شاء الله تعالى. الخامسة والثلاثون- قوله تعالى:" وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم" تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه. فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع، لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض، لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر. هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي. ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمد. وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل
