شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 3

القرطبي • التفسير • ج3 ص404

تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة

الأول وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا قال الله عز وجل:" وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا- أي فلم يطالبه برهن- فليؤد الذي اؤتمن أمانته". قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول لجاز أن يكون يقول عز وجل:" وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط «1» " الآية ناسخا لقوله عز وجل:" يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" الآية ولجاز أن يكون قوله عز وجل:" فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين" ناسخا لقوله عز وجل:" فتحرير رقبة مؤمنة" قال بعض العلماء: إن قوله تعالى" فإن أمن بعضكم بعضا" لم يتبين تأخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد، بل وردا معا. ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة. قال: وقد روى عن ابن عباس أنه لما قيل له: إن آية الدين منسوخة قال: لا والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا، منها الرهن، ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الواجب. فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا وبرا وبحرا وسهلا وجبلا من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه. قلت: هذا كله استدلال حسن، وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما خرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي قال:" أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة «2» حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا. فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه، فقال: من أين [أقبل «3»] القوم؟ فقلنا: من الربذة وجنوب الربذة. قال: ومعنا جمل أحمر، فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا نعم. قال بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا شيئا وقال: قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى

الصفحة السابقة الصفحة التالية