الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 3
القرطبي • التفسير • ج3 ص93
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه:" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم". الثانية- هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطي في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم. و" حرث" تشبيه، لأنهن مزدرع الذرية، فلفظ" الحرث" يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع. وأنشد ثعلب:
إنما الأرحام أرض ... ون لنا محترثات
فعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات
ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث. ووحد الحرث لأنه مصدر، كما يقال: رجل صوم، وقوم صوم. الثالثة- قوله تعالى: (أنى شئتم) معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة، كما ذكرنا آنفا. و" أنى" تجئ سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من" كيف" ومن" أين" ومن" متى"، هذا هو الاستعمال العربي في" أنى". وقد فسر الناس" أنى" في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبويه ب" كيف" ومن" أين" باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها ب" أين" إلى أن الوطي في الدبر مباح، وممن نسب إليه هذا القول: سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى" كتاب السر". وحذاق أصحاب مالك؟ ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له" كتاب سر". ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب" جماع النسوان وأحكام القرآن". وقال الكيا الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله عز وجل:" أتأتون الذكران من
#
