شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 5

القرطبي • التفسير • ج5 ص335

تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة

صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أو عدله العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه). وفي هذين التأويلين دخل، أما الأول- فقال القشيري: وفي هذا نظر، لأن كلام الرب لا يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام، فهو إذا جائز في الكلام. وأما الثاني- وإن روي أنه مرفوع فقال النحاس: وهذا الوجه الغلط فيه بين، وقد قال الله عز ح وجل: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا) 1 ولم يقل أحد: إن جازاهم، وهو خطأ في العربية لأن بعده (وغضب الله عليه) وهو محمول على معنى جازاه. وجواب ثالث- فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله في كتاب (الناسخ والمنسوخ) أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي محكمة. وفي هذا الذي قال نظر، لأنه موضع عموم وتخصيص لا موضع نسخ، قاله ابن عطية. قلت: هذا حسن، لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه. وقال النحاس في (معاني القرآن) له: القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب، فإن تاب فقد بين أمره بقوله: (وإني لغفار لمن «1» تاب) فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد «2») الآية. وقال تعالى: (يحسب أن ماله أخلده «3»). وقال زهير:

ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا «4»

وهذا كله يدل على أن الخلد يطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا. وكذلك العرب تقول: لأخلدن فلانا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلد الله ملكه وأبد أيامه. وقد تقدم «5» هذا كله لفظا ومعنى. والحمد لله.

الصفحة السابقة الصفحة التالية