الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) — ج 6
القرطبي • التفسير • ج6 ص117
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش — دار الكتب المصرية - القاهرة
قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، إذ هو مكتوب في الإنجيل. (فنسوا حظا) وهو الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أي لم يعملوا بما أمروا به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى" أخذنا ميثاقهم" هو كقولك: أخذت من زيد ثوبه ودرهمه، قاله الأخفش. ورتبة" الذين" أن تكون بعد" أخذنا" وقبل الميثاق، فيكون التقدير: أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، لأنه في موضع المفعول الثاني لأخذنا. وتقديره عند الكوفيين: ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقه، فالهاء والميم تعودان على" من" المحذوفة، وعلى القول الأول تعودان على" الذين". ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى، ولا ألينها لبست من الثياب، لئلا يتقدم مضمر على ظاهر. وفي قولهم:" إنا نصارى " ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها، روي معناه عن الحسن. قوله تعالى: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) أي هيجنا. وقيل: ألصقنا بهم، مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه. يقال: غري بالشيء يغرى غرا" بفتح الغين" مقصورا وغراء" بكسر الغين" ممدودا إذا أولع به كأنه التصق به. وحكى الرماني: الإغراء تسليط بعضهم على بعض. وقيل: الإغراء التحريش، وأصله اللصوق، يقال: غريت بالرجل غرا- مقصور وممدود مفتوح الأول- إذ لصقت به. وقال كثير: إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا غراء ومدتها حوافل نهل «1»
